FINANCIAL TIMES

الفنزويليون يترنحون تحت تأثير التضخم الجامح ونقص الدولار

على مدى 40 عاما كان فيكتور أوربينا يبيع الحلويات من على كشك خارج مركز تسوق في كاراكاس.
الآن هو في الـ 80 من العمر وقد سبق له أن تمكن من النجاة من موجة احتجاجات وسلب ونهب ومذابح في عام 1989 معروفة باسم "كاراكازو" كان سببها ارتفاع الأسعار، قتل خلالها مئات من الأشخاص.
لكن في الوقت الذي يعاني فيه مع طرح أوراق نقدية جديدة وانخفاض ضخم في قيمة العملة، قال أوربينا "إنه لم يشهد قط أي شيء مثل الانهيار الاقتصادي الحالي في فنزويلا. ما يحدث لنا الآن أمر لا يصدق. هذا الرجل "الرئيس نيكولاس مادورو" يقودنا إلى الجنون. لا أحد يعلم ما الذي يفعله".
بعد مضي أسبوع على إعلان مادورو عن أحدث خططه لإنقاذ اقتصاد البلاد، قلة من الناس هم الذين يعتقدون أن الخطة ستعيد البلاد إلى مسارها الطبيعي. ويرى اقتصاديون أن ما من شيء في التدابير المعلنة سيعمل حقا على معالجة التضخم المفرط والنقص الحاد في الدولارات. في الواقع، قد تؤدي بعض الإجراءات، مثل ارتفاع بنسبة 3 آلاف في المائة في الحد الأدنى للأجور، إلى مزيد من الارتفاع في الأسعار.
في كثير من البلدان يمكن لكارثة اقتصادية بهذا الحجم أن تؤدي إلى الإطاحة بالرئيس، لكن بعد مضي أكثر من خمس سنوات في هذا المنصب، لا يزال مادورو صامدا. فقد فاز بسهولة في انتخابات رئاسية معيبة جدا في أيار (مايو)، والمعارضة في حالة من الفوضى وسط حملة قمع حكومية في أعقاب محاولة اغتيال اشتملت على طائرتين مسيرتين كانتا محملتين بالمتفجرات. وألقى مادورو اللوم في هذا الهجوم على الكولومبيين و"اليمين المتطرف"، المدعوم من قبل الفنزويليين المنفيين في الخارج الذين يعيشون في ميامي.
قال ريكاردو هاوسمان، المدير الفنزويلي لمركز التنمية الدولية في جامعة هارفارد "لماذا لا يزال مادورو موجودا؟ الإجابة هي أنه في الوقت الذي تكون فيه الأزمة سيئة بالنسبة إلى قدرة الحكومة، إلا أنها أكثر سوءا بكثير بالنسبة إلى قدرة المجتمع". وأضاف "الناس يعانون الجوع، والخوف ويحاولون البقاء على قيد الحياة".
على الرغم من انخفاض صادرات النفط، إلا أنها لا تزال توفر لمادورو مصدر دخل جيد بالدولار، في حين لا تزال القوات المسلحة التي اختيرت للمشاركة في النظام، مخلصة إلى حد كبير رغم الشائعات المنتشرة حول السخط داخل الطبقات المتوسطة والأقل دخلا.
وساعدت الهجرة أيضا على بقاء مادورو في السلطة. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 2.3 مليون شخص – 7 في المائة من السكان – غادروا فنزويلا منذ عام 2015. كثير منهم من المعارضين البارزين للنظام. وفي الوقت الذي لا تزال تسمع فيه أصواتهم من المنفى، إلا أنهم لم يعودوا موجودين على أرض الواقع للمشاركة في الاحتجاجات القائمة في كاراكاس.
بالنسبة إلى الذين لا يزالون يعيشون في فنزويلا، الأثر الفوري للخطة الاقتصادية هو إدخال أوراق نقدية جديدة، مع حذف خمسة أصفار. مع ذلك، أكبر ورقة نقدية من حيث القيمة، وهي الورقة فئة 500 بوليفار، تعادل 8.3 دولار فقط، حتى بسعر الصرف الرسمي.
لويس مولينا، سائق سيارة يبلغ من العمر 63 عاما، قال "على الأقل، يُفترض في الناس الآن أن يكونوا قادرين على الدفع نقدا، لأن الرحلة التي تبلغ تكلفتها ثمانية ملايين بوليفار "كمية ضخمة من الأوراق النقدية" تكلف الآن 80 بوليفارا فقط". لكن كثيرا من المصارف في كاراكاس كانت تصدر فقط أوراق بنكنوت فئة 100 بوليفار جديدة "1.6 دولار" في اليوم الواحد للعملاء هذا الأسبوع. وأجهزة الصرف الآلي كانت تقدم فقط عشرة بوليفارات في المرة الواحدة – ما يعادل 16 سنتا أمريكيا.
التضخم مستمر بلا هوادة. يوم الأربعاء باعت الحكومة الدولارات في مزاد علني مقابل 60 بوليفارا للدولار، لكن بحلول يوم الجمعة تراجع إلى 75.3 بوليفار في موقع "دولار توداي"، وهو موقع إلكتروني يتعقب السعر في السوق السوداء.
قال الكونجرس الذي تسيطر عليه المعارضة "إن التضخم وصل إلى نسبة سنوية تعادل 83 ألف في المائة في تموز (يوليو)" – وهو وفقا لبعض المقاييس، الأعلى في تاريخ أمريكا اللاتينية. ويتوقع اقتصاديون في كاراكاس وصوله إلى نسبة تراوح بين 300 و400 ألف في المائة هذا العام. ويذهب صندوق النقد الدولي أبعد من ذلك ويتوقع وصول النسبة إلى مليون في المائة.
قال ليوناردو فيرا، المقتص الاقتصادي في الجامعة المركزية في فنزويلا "إن استمر التضخم على هذه الوتيرة نفسها – ولا يوجد أي سبب يدفعنا إلى الاعتقاد أنه لن يفعل – سيبطل استخدام الأوراق النقدية الجديدة في غضون أشهر قليلة".
ومن بين كل التدابير التي أعلن عنها مادورو، عمل القرار المتمثل في ربط البوليفار بـ "البترو"، وهي عملة مشفرة أوجدتها الحكومة العام الماضي وتخضع لسيطرتها، على توليد أكبر قدر من السخرية من قبل مختصي الاقتصاد.
قال مادورو "إن قيمة البترو تعادل 60 دولارا"، مستندا على ما يبدو على حساباته المتعلقة بسعر برميل النفط الوارد من احتياطيات النفط الضخمة في البلاد. علق فيرا قائلا "هذا أمر مثير للسخرية. إن كنت تريد تثبيت العملة وربطها بشيء، حينها ستحتاج إلى اختيار شيء له صدقية مثل الدولار، مثلما فعلت كل من البرازيل والأرجنتين للتعافي من النوبات السابقة من التضخم المفرط. لكن لا أحد يعلم ما هو البترو الذي لا يجري تداوله في أي مكان".
وإذا كان نظام مادورو يتمتع بالمرونة، فكذلك أفراد الشعب العاديون، الذين أثبتوا أنهم مبتكرون بشكل ملحوظ في مواجهة حالات النقص في السيولة. أوربينا الثمانيني وضع تعليمات على كشك الحلويات الخاص به يخبر العملاء كيف يمكنهم دفع ثمن كيس من الرقائق، أو لوح من الشوكولاتة: عن طريق تحويل مصرفي أو تطبيقات الهواتف المحمولة.
ويقبل آخرون بكل سهولة الدفع بالدولار. قال رامون سافيدرا، الذي يعمل في مطعم يقع في موقف للسيارات، حيث يحمي المركبات من لصوص محتملين "أحيانا يرتاد المطعم أشخاص يقدمون بقشيشا بورقة نقدية من فئة الدولار أو الدولارين. ونقتسمها بيننا نحن الستة الذين نعمل معا. في غضون أسبوع ربما نحصل على سبعة دولارات".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES