FINANCIAL TIMES

لندن .. تلوث الهواء يشدد الخناق على عاصمة الضباب

قبل أربع سنوات، كانت صوفيا باور تمشي على طول طريق ميريلبون، وهي تفكر بالطفل الذي كانت تحمله في أحشائها في ذلك الوقت. الحافلات والشاحنات وسيارات الأجرة التي كان يعج بها وسط لندن، تجعل المدينة واحدة من أكثر الأماكن تلوثا في المملكة المتحدة.
تقول، وهي تشير إلى دراسة توصلت إلى أن الأطفال الذين ينشأون في المناطق الملوثة، يتطور لديهم خلل في قدرة الرئة على العمل تراوح نسبته بين 8 و10 في المائة بسبب التلوث: "كنت أتساءل كيف يمكنني حمايته. من المحتم أن التلوث سوف يكون له تأثير".
على الرغم من أن هواء لندن غالبا ما يبدو وكأنه نقي بالعين المجردة، إلا أن المدينة تعاني مستويات غير مشروعة من تلوث الهواء منذ عام 2010، مع مستويات خطيرة بصفة خاصة من أكسيد النيتروجين، الذي ينتج أساسا من المركبات التي تعمل بالديزل.
وقد تسبب الطقس المشمس والحار بشكل غير عادي في الصيف الحالي في حدوث ارتفاع في كمية الأوزون – التي تنتج عندما تتفاعل أشعة الشمس مع أكسيد النيتروجين – ما أدى إلى إثارة عدة تحذيرات من التلوث.
في الوقت الذي تجتذب فيه عادة مدن مثل بكين أو نيودلهي مزيدا من العناوين الرئيسة، يبين تلوث الهواء العنيد في لندن تماما كيف يمكن للمشكلة أن تكون مستعصية.
بموجب بعض المقاييس، مثل جزيئات الهواء الصغيرة للغاية، فإن الضباب الدخاني في نيودلهي وبكين أسوأ بكثير مما هو في لندن، إلا أنه من حيث كميات أكسيد النيتروجين، الذي يلهب الرئتين ويرتبط بمتوسط أقصر أمدا للعمر المتوقع، فإن الوضع في لندن سيئ بمثل سوء الوضع في كل من العاصمة الصينية والهندية–وأسوأ بكثير مما هو في المدن المتقدمة الأخرى مثل نيويورك أو مدريد.
مع ذلك، وعلى الرغم من مشاريعها الرائدة، وأعمال الطرقات، وممرات الدراجات العادية، وظهور المركبات الخاصة المستأجرة، فإن كل ذلك عمل على إبطاء حركة المرور كثيرا، دون المساس بوضعية التلوث.
يقول سايمون بيركيت، موظف مصرفي تحول إلى ناشط في حملة ضد تلوث الهواء وقام بتأسيس الهواء النظيف في لندن، وهي منظمة غير ربحية: "هذه هي المعيقات. إن لم تستطع التصدي لهذه المشكلة، التي أصبحت ملموسة بشكل أكبر بكثير بالنسبة للناس، فلن تستطيع التعامل مع المشاكل الأخرى"، مشيرا إلى أن ظاهرة التغير المناخي أصبحت مشكلة أكثر تعقيدا بكثير.
مع تزايد كمية البحوث والاهتمام السياسي الذي يركز على قضية تلوث الهواء، يجري الخبراء في بعض الأحيان أوجه قياس للطريقة التي عملت فيها ظاهرة الضباب الدخاني الكبير في عام 1952، على إجراء تغيير جذري للطريقة التي كانت تتعامل فيها المدينة مع هوائها.
يقول أحد المسؤولين المحليين: "نحن نمر الآن بلحظة مماثلة. هي ليست واضحة بالقدر نفسه (لظاهرة عام 1952)، لكن لأن الجزيئات صغيرة الحجم تماما، يمكن للآثار الصحية الفعلية أن تكون أكثر أهمية".
تقول شيرلي رودريجز، نائبة عمدة لندن، إن المدينة وصلت إلى "نقطة اللاعودة" فيما يتعلق باتخاذ الإجراءات.
وتضيف: "هذا ليس (بسبب) الآلاف من حالات الوفاة التي حصلت قبل أوانها، بل أيضا بسبب الأمراض المزمنة والخبيثة التي تكلف دائرة الخدمات الصحية الكثير من الأموال. هذه مسألة تؤثر في نوعية الحياة".
تفاقمت هذه المشكلة الطارئة مع سلسلة من الدعاوى القضائية، أصدر فيها القضاة أحكاما تقضي بأن الحكومة لم تكن تفعل ما يكفي للامتثال بحدود التلوث الهوائي الملزمة قانونيا والصادرة عن الاتحاد الأوروبي.
جزء من الأسباب التي أدت إلى هذا التحول هو أن معرفتنا بتأثير تلوث الهواء على الصحة هو الآن أكبر بكثير من قبل: في لندن، يسهم تلوث الهواء بإحداث أكثر من 9 آلاف حالة وفاة مبكرة في كل عام، وفقا لدراسة أجرتها كينجز كوليج. هذا الشهر، توصل باحثون في جامعة كوين ماري في لندن إلى أنه حتى الكميات الضئيلة جدا من التلوث مرتبطة بإحداث تغييرات في تركيب القلب.
اهتمام باور وقلقها من تعرضها شخصيا لتلوث الهواء أدى إلى قيامها بإطلاق شركة مختصة بفلترة الهواء هي إير لابس، التي أنشأت مناطق تجريبية من الهواء النظيف في مواقف الحافلات وفي المدارس، حتى أن طفلها الثاني، الذي يبلغ من العمر ثلاثة أشهر فقط، بات لديه فلتر هواء شخصي داخل عربته.
في الوقت الذي تبين فيه محطات رصد الهواء في لندن أن التلوث آخذ في التحسن بشكل بطيء في السنوات الأخيرة بحسب معظم المقاييس، تشير باور إلى أن التعرض الفردي يمكن أن يكون أسوأ بكثير مما تشير إليه أجهزة الرصد. "عموما، لم يصبح المشهد العام في لندن أفضل بشكل جوهري".
صادق خان، الذي أصبح عمدة في المدينة في عام 2016، جعل التصدي لتلوث الهواء أولوية رئيسية لديه، مع تخصيص منطقة جديدة ذات كمية انبعاثات منخفضة للغاية في وسط لندن، والتزام بإنفاق مبلغ 800 مليون جنيه على مبادرات نوعية الهواء على مدى خمس سنوات.
تشير النماذج التي تقدمها الحكومة إلى أن هواء لندن لن يلتزم بالحدود القانونية حتى عام 2025.
حتى نفهم كيف أصبح الهواء في لندن سيئا إلى هذه الدرجة في المقام الأول، ما عليك سوى أن تنظر إلى شارع نهر التايمس من الناحية العلوية، الذي يمتد من جسر لندن باتجاه بلاك فرايرز، بالقرب من ضفة النهر.
بينما يهرول العداؤون الذين يحافظون على لياقتهم البدنية بالقرب من تلك المنطقة، يتوقف رتل من الحركة المرورية بطيئة الحركة، معظمه من الشاحنات والعربات التي تقوم بالتوصيل إلى المدينة، ثم يتحرك أمام مجموعة من الإشارات الضوئية.
في مبنى مكاتب يقع على زاوية شارع نهر التايمز وكازين لين، تبرز أنابيب وقوارير محطة الرصد من أحد المداخل.
البيانات التي تجمعها المحطة تبين أعلى مستوى للتلوث في جميع أنحاء لندن، مع تجاوز مستويات أكسيد النيتروجين المستويات الحرجة بأكثر من 120 ضعفا عن العام الماضي.
(الحد القانوني هو 18 ضعفا سنويا). الحي المالي في لندن، المنطقة المالية التقليدية التي تختلف عن سلطة لندن الكبرى التي تغطي كامل المدينة، هي موطن اثنين من أسوأ خمسة مواقع بحسب هذا المقياس.
يلقي مسؤولو المدينة اللوم على مزيج الحي المالي المكون من تصميم شوارع تعود إلى العصور الوسطى، ومبان مرتفعة وتلوث مستمر ناجم عن انبعاثات المركبات.
كما هو الحال في بقية أنحاء لندن، فإن الحركة المرورية المزدحمة ومركبات الديزل اثنان من المسببات الرئيسية.
يقول جاري فولر، العالم في كينجز كوليج الذيطور شبكة من محطات الرصد لجودة الهواء في لندن: "الكثير من التلوث الذي نتنفسه من الشوارع الواقعة حولنا، والمواقع الأكثر تضررا، سببها مركبات الديزل في لندن".
عندما أخفقت لندن في الامتثال لضوابط نوعية الهواء الملزمة التي وضعها الاتحاد الأوروبي، التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2010، كان السبب في ذلك إلى حد كبير هو مركبات الديزل، بحسب ما يقول فولر، لأنه تنبعث منها مستويات أعلى من أكسيد النيتروجين في العالم الحقيقي، مما هو في الاختبارات المعملية.
إرث الديزل، الذي وصف في البداية على أنه وقود أنظف لأنه ينتج كميات أقل من أكسيد الكربون، أصاب عواصم أوروبية أخرى مثل مدريد وباريس.
في لندن، تفاقم تأثير أبخرة الديزل بسبب الازدحام المروري. وصل متوسط سرعة الحركة المرورية في وسط لندن إلى ثمانية أميال في الساعة خلال أيام الأسبوع–وهذا رقم تناقص في السنوات الأخيرة.
على الرغم من انخفاض العدد الإجمالي للمركبات التي تدخل وسط لندن بنحو 30 في المائة منذ أن تم إدخال نظام فرض رسوم على الازدحام، زاد عدد المركبات المستأجرة بشكل خاص، التي تدخل إلى وسط لندن – وهي معفاة من الرسوم – بأكثر من أربعة أضعاف خلال الفترة الزمنية نفسها.
تقول روث كالدروود، مديرة جودة الهواء في مدينة لندن: "نظام الطرق بطراز العصور الوسطى، إن أخذنا بعين الاعتبار التخطيط وحجم الطرق، فإنه كان مصمما أصلا لاستخدام الحصان والعربة".
أسهمت كل من أعمال الطرق والمركبات المستأجرة في القطاع الخاص وعربات التسليم وتوصيل الطلبات عبر الإنترنت في تفاقم مشكلة الازدحام، وفقا لهيئة النقل في لندن، التي تنظر فيما إذا كانت تريد زيادة الرسوم المفروضة على الازدحام لتغطي المركبات الخاصة المستأجرة.
كما أن طبيعة الحركة المرورية المزدحمة التي تتميز بالوقوف والحركة تعمل على تفاقم انبعاثات المركبات، التي تكون غالبا الأعلى عندما تتسارع المركبة.
كما لعب التقاعس السياسي دورا أيضا في ذلك، على الرغم من أنه في السنوات التي انقضت منذ ذلك الحين، لم يكن التلوث دائما هو الأولوية الأولى.
عندما كان بوريس جونسون يشغل منصب العمدة، بين عامي 2008 و2016، عمل على إلغاء توسيع منطقة الازدحام، وتأخير خطط إنشاء مناطق ذات انبعاثات منخفضة مزيدة.
خان، الذي يعاني نفسه مرض الربو، جعل قضية التلوث من الأولويات الأعلى في جدول الأعمال، إذ تم رفع رسوم الازدحام من خلال فرض رسوم تي T على المركبات الأكثر تسببا في التلوث ("T" هو الحرف الأول من كلمة toxicityالتي تعني السمية). وهذا سيتم استبداله العام المقبل "بمنطقة ذات انبعاثات منخفضة للغاية" تفرض رسوما على المركبات القديمة.
منذ بداية العام المقبل، ستصبح جميع الحافلات الجديدة ذات الطابق الواحد بلا انبعاثات، فيما ينبغي على سيارات الأجرة الجديدة أن تكون سيارات هجينة أو كهربائية.
حتى مع فرض إنشاء مزيد من مناطق الانبعاثات الجديدة المنخفضة جدا بفرض عقوبات على المركبات التي تسبب التلوث، يقول بعض أنصار البيئة إن هنالك حاجة إلى وجود نظام طرق أكثر دقة، يفرض رسوما على السيارات وفقا لعدد ساعات القيادة، ومكان القيادة، وكمية الانبعاثات التي تصدر عنها.
تقول كارولين راسل، عضو في الجمعية العامة لحزب الخضر البريطاني في لندن: "لدينا هنا قنبلة موقوتة تتعلق بالصحة. ونحن بحاجة فعلا إلى أن نضمن أن الناس يدركون كيف يمكن لحياتهم أن تصبح أفضل، إن كان لدينا نظام نقل يعتمد بشكل أقل على السيارات".
قد يمثل البريكست تحديا آخر يضاف إلى معركة لندن لتنظيف هوائها، لأن قوانين الاتحاد الأوروبي قدمت حتى الآن أقسى معايير نوعية الهواء، التي يتعين على المملكة المتحدة الالتزام بها.
الشهر الماضي، تم طرح قانون الهواء النظيف أمام مجلس اللوردات، الذي من شأنه أن يجعل الهواء النظيف أحد حقوق الإنسان، مع تعهد بأن تؤخذ نوعية الهواء بعين الاعتبار ضمن جميع السياسات الحكومية الجديدة.
تقول كيتي نيلد، وهي محامية تعمل مع منظمة كلاينت إيرث غير الربحية إن: "القلق من فترة ما بعد البريكست يكمن في أنه إن فشل ذلك، سيكون هنالك خطر حقيقي بأن تفشل الطموحات بشكل أكبر حتى من قبل، فيما يتعلق بهذه القضية".
في أيار (مايو) الماضي، أصدرت وزارة البيئة والطعام والشؤون الريفية مسودة استراتيجية للهواء النظيف، وصفت فيها نوعية الهواء بأنها "أكبر خطر صحي بيئي" في المملكة المتحدة.
على أنه لاحقا قد تبين من تجربة لندن، أن تلوث الهواء عنيد بشكل غير عادي ومستعص بالفعل. وحتى لو تم الحد من انبعاثات المركبات، فإن قضايا مثل التلوث من الطائرات ومن الزراعة، يمكن أن يتبين أنها حتى أكثر صعوبة، على الخضوع للعلاج حسب المنظور.
وفي الوقت الذي تبرهن فيه المزيد من الأبحاث مقدار الضرر والأذى الذي يسببه التلوث على صحة الإنسان، فإن من المتوقع أن تشدد منظمة الصحة العالمية توجيهاتها بشأن مستوى التعرض الذي يعتبر مأمونا.
عليه، فإن المعركة لتنظيف هواء لندن ربما تصبح أكثر صعوبة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES