FINANCIAL TIMES

في عصر التسوق الإلكتروني .. أي مستقبل للمتاجر التقليدية الكبرى؟

بدأت إحدى قصص الممثل الكوميدي ستيفن رايت بما يلي: "كان هنالك انقطاع في التيار الكهربائي في أحد المتاجر الكبرى يوم أمس. علق عشرون شخصا في المصاعد". فكرت في ذلك بينما كنت أبحث في مجموعة من صور متجر هاوس أوف فريزر في شارع أكسفورد.
كان مستقبل هذه السلسلة من متاجر الأقسام غامضا، على الرغم من أنه بعد عملية الاستحواذ عليها من قبل شركة سبورتس دايركت في وقت سابق من هذا الشهر، حصل هذا الفرع الرئيسي، على الأقل، على مهلة لإطالة عمره.
أنشئ المبنى تحت اسم دي إتش إيفانز في عام 1937 من تصميم المهندس المعماري لويس بلانك، وكان هذا المبنى الواقع في شارع أكسفورد مبنيا حول سلالم متحركة منحنية ورؤية حديثة للتحرك الرأسي، لربما تكون مستوحاة من مجموعة تصاميم مهاجر الباوهاوس لاسزلو موهولي-ناجي، للفيلم المأخوذ عن رواية إتش جي ويلز (أشياء ستحدث)، الذي صدر في العام السابق على ذلك.
لقد كانت تلك صورة مذهلة للمتجر الكبير، فحينها بدت وكأنها يوتيوبيا الخيال العلمي.
لا يبدو الأمر كذلك الآن. في الواقع، يبدو الأمر وكأن هؤلاء المتسوقين لا يزالون عالقين في تلك السلالم المتحركة.
يبدو المتجر العام عموما وكأنه واقع في مأزق كبير. سينجو شارع أكسفورد بالطبع. الأمر الأكثر ضررا بكثير هو احتمالية إغلاق المتاجر المنتشرة في المقاطعات، لربما تلك الموجودة في دارلينجتون وجريمسبي وفي وولفرهامبتنون وميدلسبورو في شمال ووسط المملكة المتحدة.
في تلك المراكز التي غالبا ما تعاني المتاعب، كان المتجر العام بمنزلة مؤشر ترابط البريق الذي كان سائدا في الماضي، ورحلات عيد الميلاد لرؤية بابا نويل، وتناول الكيك في مقهى الشاي، والنظر بشوق إلى الملابس والألعاب.
بالنسبة للمقيمين الأكبر سنا، كانت تلك حالات هروب متطورة من الحياة اليومية الساحقة. ويمكن لخسارتهم أن تكون مؤلمة تماما بالنسبة لأي حس باق بالمكان والاستمرارية.
مع ذلك، على طول شارع أكسفورد وليس بعيدا عن متجر هاوس أوف فريزر، يتعرض متجر سيلفريدجيز لعملية إعادة بناء ضخمة وأنيقة بتكلفة 300 مليون جنيه، من قبل المهندس المعماري السير ديفيد تشيبرفيلد.
في البندقية، في عام 2016 افتتحت شركة الإنشاءات المعمارية متجر فونداكو دي تيديشي الذهبي في مكتب بريد قديم يعود إلى الحقبة الفاشية، وتعتزم الشركة تجديد متجر كاديوي في برلين.
يعمل متجر أماندا ليفيت على تجهيز خطط طموحة لتجديد معارض لافاييت في باريس، ويقوم المهندس المعماري الياباني سانا بإعادة بناء لا ساماريتاين من خلال إضافة واجهة زجاجية متموجة.
مجموعة المهندسين المعماريين أكمي صممت بوابة فكتوريا في ليدز بذوق رديء مبهرج بصورة مبهجة على شكل بلورات ماسية، ما يدل على أنه حتى في عصر شركة أمازون، لا تزال هنالك رغبة في وجود متاجر حضرية.
تاريخ المتجر العام لا يمكن فصله عن المدينة الحديثة المعاصرة، فقد ظهر في أواخر القرن الثامن عشر كملتقى للاستهلاك اللافت للنظر، كملجأ وجنة وكون مصغر للإنتاج المعاصر.
تم افتتاح متجر الموضة الكبير الذي يضم كلا من هاردينج وهاول وشركاه في بول مول في عام 1796 كمتجر واحد كبير منقسم إلى 3 متاجر، لكن الفكرة تطورت على يد متاجر مثل هارودز الذي تأسس في عام 1834 وافتتح في نايتس بريدج في عام 1849، ومتاجر مارشال فيلد في شيكاغو ونموذج موسع لمتجر لو بون مارشيه في باريس وكلاهما تأسس في عام 1852.
بالنسبة للمدينة القذرة الصناعية التي كانت قيد الإنشاء باستمرار في القرن التاسع عشر، كانت المتاجر الكبرى بمنزلة ملجأ محترم مضاء جيدا بعيدا عن الطرق الموحلة والدخان والجرائم وفضلات الخيول.
وللمرة الأولى، منحت المرأة فرصة الخروج من البيت دون إثارة الاستياء الأخلاقي. كما تم تقديم فرص عمل محترمة للنساء أيضا بحيث يمكنهن الإقامة، لربما في مهاجع تقع أعلى المتجر.
كانت هذه المتاجر تمثل التحرر. يشير الروائي إميل زولا إلى الدور المركزي الذي لعبته المتاجر في تغيير مكانة المرأة، في روايته التي نشرت في عام 1883 بعنوان: "جنة السيدات"، على الرغم من أنه يذكر أيضا أن المتاجر كانت بالقدر نفسه آلية للاستفادة المالية من الرغبات الأنثوية.
أصبحت المتاجر العامة بوابات عبور ليس للأزياء والسلع وأنماط الاستهلاك فحسب، بل إلى المستقبل أيضا، إذ غالبا ما كانت هي المكان الأول في المدينة الذي يستخدم المصابيح الكهربائية والمصاعد والسلالم المتحركة وتكييف الهواء وآلات البيع التي تستطيع أن تصب منها المشروبات الغازية.
كان حس رجل الأعمال هاري جوردون سيلفريدج الأب المتشرب بروح العصر، يعني أن المتسوقين يحصلون على لمحة من الأيام التي كانت سائدة فيها طائرات لويس بليريو، بعد أن عبر القنال الإنجليزي بهذه الطائرة في عام 1909، وقام جون لوجي بايرد لأول مرة بعرض التلفاز فيه في عام 1925.
في القرن العشرين، المتاجر عرفت المستهلكين على الحداثة. في أواخر العشرينيات من القرن الماضي، قام إيريك مندلسون بتصميم متاجر راديكالية لمتاجر شوكين في نوريمبيرج وشتوتغارت وتشيمينز، والتي قدمت حداثة حضرية عصرية، فاعلة وأنيقة ومضيئة ذاتيا لإيجاد "تصميم ضوئي".
وكانوا بمنزلة مصدر إلهام للواجهة المنحنية لمتاجر بيتر جونز الشاملة في لندن، التي صممت في عام 1936 من قبل ويليام كرابتري.
كانت نوافذ المحال التجارية إشارة إلى تغير المواسم وتغير الموضات. وأحداث مثل موكب عيد الشكر الذي ينظمه متجر ميسي في نيويورك، أو إنارة أضواء عيد الميلاد في محال هارودز حفرت فكرة المتجر العام، ضمن الأحداث اليومية التي تجري في المدينة.
حتى في أشد الحالات تقشفا، كان لدى الاتحاد السوفياتي متاجر جوم GUM. لا يزال فرع موسكو الذي أصبح الآن مركزا تجاريا يمثل أعجوبة تحت سقفه ذي التصميم الزجاجي، الذي قام بتصميمه فلاديمير شوكوف.
من الصعب اليوم أن نعرف الفنان وراء الترف المطلق لبعض المتاجر، فقد تفاخرت متاجر هارودز الشهيرة بأنها تبيع أي شيء، بدءا من الإبرة وصولا إلى الفيلة.
أما متاجر وايتليز في بايز ووتر (التي على وشك أن تصبح إسكانا راقيا) فلديها مسرح وملعب للجولف فوق السقف. في شارع كنزنجتون الرئيسي، يعيش طائر الفلامنجو في الحدائق العلوية الموجودة على سقف متاجر ديري آند تومز.
على الرغم من كل هذا الحب، ورغم الدور المركزي للحس المكاني والشعور بالفخر المدني، هجر المتسوقون تلك المتاجر الكبرى بشكل بطيء.
في الولايات المتحدة، هرب أفراد الطبقات المتوسطة إلى الضواحي، وتم التخلي عن مراكز المدن ليعيش فيها الفقراء، وبدأت المتاجر الكبرى في التراجع.
في المملكة المتحدة، أصبحت هذه المتاجر حكرا على كبار السن الذين يتذكرونها كما لو أنها أماكن أكثر بريقا. غادر الشباب ليذهبوا إلى المراكز التجارية الحديثة البديلة والإنترنت. وأصبحت شيئا من مخلفات الماضي له طابع غريب في العصر الحاضر.
بعض أجمل المتاجر في العالم اليوم هي إما فارغة وإما تشغلها متاجر الخصومات. متاجر كارسون بايري سكوت في شيكاغو، التي تم تصميمها من قبل لويس ساليفان في عام 1899، هي عمل فني رائع ومعقد للفن الأمريكي المعاصر، حيث إن أعمال الزخرفة البرونزية فيه مزخرفة بشكل معقد.
وهي الآن مقر لأحد فروع متاجر تارجت، والفن الزخرفي الرائع آرت ديكو لمتاجر باركرز في كينسنجتون، أصبح الآن مقرا لسلاسل الملابس الخاصة بالشركات. كما تم الاستيلاء على معالم تجارية أخرى من قبل صيدليات أو تم تحويلها إلى مطاعم – لكنها على الأقل لا تزال مفتوحة الأبواب.
مع ذلك، فإن أكبر هذه المتاجر وأكثرها غنى، مثل هارودز وسيلفريدجز وفورتنام آند ماسون وهارفي نيكولس في لندن، وساكس فيفث أفنيو، وبيرجدورف جودمان وميسيز في نيويورك، ليست باقية على قيد الحياة فحسب، بل تزدهر أيضا. أدركت باريس أن متاجرها الشهيرة تحظى بترابط حميمي مع هويتها، وأن المدينة تتعامل بحرص شديد مع إرثها. وربما ينبغي اعتبارها مبان ثقافية بقدر ما هي مبان تجارية (للمنافسة على الانضمام إلى قائمة التراث العالمي).
بدأ أندي وارهول عمله في تصوير الأحذية وتصميم إطارات النوافذ لمتجر بونويت تيلر في مانهاتن. تم هدم ذلك المبنى من طراز آرت ديكو الزخرفي ليفسح المجال أمام بناء برج ترمب (جزء من الصفقة كان يتضمن وعد الرئيس الحالي بعدم الإزالة والحفاظ على التفاصيل الزخرفية الجميلة في المبنى، إلا أن المقاولين فشلوا في الوفاء بذلك التعهد عند بدء أعمال الهدم.
قال وارهول ذات مرة إن "جميع المتاجر العامة ستصبح متاحف، في حين أن جميع المتاحف ستصبح متاجر عامة"، بما يشبه الاستبدال التام. كالعادة، كان سابقا لعصره. اعتدنا على الخروج من المتاحف من خلال متجر الهدايا، لكن من المحتمل أن مستقبل المتجر العام يكمن في الثقافة إضافة إلى التجارة.
يتسم متجر فونداكو دي تيديشي لشركة الإنشاءات المعمارية بالقرب من جسر ريالتو في البندقية ليس بسلالمه المتحركة المسرحية فحسب، بل أيضا بوجود تراس على السطح وأماكن لإقامة معارض.
الجيل الجديد من المتاجر العامة تتم إدارته بشكل متعمد مثل "المتاحف" بدلا من مجرد صف البضائع على الرفوف. الصفات الجمالية للمساحات الكبيرة في فترة ما بعد الثورة الصناعية مثل سوق دوفر ستريت في لندن، انتقلت إلى المتاجر الكبرى التي كانت جليلة في الماضي، التي بدأت ببطء بملء الغرف بعلامات تجارية معروفة يتم عرضها بكل فن في الحدائق والأكواخ المستصلحة.
دار التصميم المعماري سيكس أيه 6a صممت كلية بلو ماونتن في شارع ريد تشيرش في لندن، وهي مبنى مصمم بشكل فني مخصص وشاذ بقدر ما هي الأغراض الموجودة في الداخل، في سلسلة غريبة ومثيرة للاهتمام من المساحات ضمن قطعة مستصلحة من النسيج العادي الموجود في مقاطعة شوريديتش في لندن.
من الواضح أن المستقبل، أيا كان، لا يكمن في المواصلة فقط، فالمتاجر الكبرى من بين صناع الأسواق الحضرية المهيبة، التي يمكن التعرف عليها، وعلى نطاق كاف لتكون قابلة للتكيف.
المأساة الحقيقية لن تكون في خسارة المتاجر، بالتالي، وإنما في فقدان المباني الأثرية أيضا، مع كل تلك الإمكانات التي تزخر بها.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES