المبالغة في النحر

|
امتدادا لمقال سابق بعنوان: "هل أصبحت الأضاحي ولائم للتباهي؟" نشر في "الاقتصادية" قبل أربعة أعوام، وذلك بهدف التنبيه إلى انتشار المبالغة في الأضاحي بأعداد كبيرة، والحث على الترشيد في ضوء أحكام الشريعة وفتاوى العلماء وعدم خروج الأضاحي عن سياقها الديني. وفي هذا العام أفتى فضيلة الشيخ عبد الله المطلق ـــ إلى جانب فتاوى أخرى من قبل مشايخ آخرين ـــ بجواز التبرع بقيمة الأضحية، بدلا من النحر، وذلك لتغير احتياجات الناس، تبعا لأنماط الحياة والمعيشة، مشيرا إلى ضرورة إعادة التفكير والنظر في الملايين المهدرة في الأضاحي على الأموات. وقد اقترح فضيلته تبني مشروع خيري، تستثمر فيه تلك الأموال، ومن ثم تصرف على الجمعيات الخيرية، وعلى علاج الفقراء والمحتاجين وإسكانهم. وبالتحديد قال فضيلته: "الأضحية مشروعة عن أهل البيت. الناس الآن يضحون عن الميت، ويتركون أنفسهم. والنبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ يقول: "على كل أهل بيت في كل عام أضحية"، فالأضحية المشروعة هي ذبيحة، يذبحها الإنسان أو أهل البيت لله تعالى". وتأتي في هذا السياق، فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز ـــ رحمه الله ــــ أن "الأضحية سنة وليست بواجبة، وتجزئ الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته". وأخذا في الاعتبار اختلاف العلماء حول جواز التبرع بقيمة الأضحية، وتمسك بعضهم بالنحر خشية إهمال هذه الشعيرة الإسلامية، وبعيدا عن الفتوى في غير اختصاصي، أدعو العلماء الأفاضل لحث الناس على الترشيد، خاصة أن الأضحية الواحدة تجزئ عن الأحياء والأموات، ففي المبالغة في الأضاحي هدر للأموال وفناء للماشية، خاصة إذا علمنا أن بعض الأسر تنحر أكثر من خمس أضاحي كل عام. وينتج عن ذلك إسراف في الولائم، وإسراف في استهلاك اللحوم، ما قد يؤدي إلى الإضرار بالصحة كذلك. وفي ضوء هذا التباهي والإسراف أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي نافذة لنشر مظاهر الترف والبذخ في الأضاحي، فأصبح بعض الناس يتفننون بالأضحية لإبراز صور ومقاطع الأضاحي بأحسن صورة متناسين أنها عبادة وتقرب إلى الله، وليست مجالا للتباهي والتفاخر في وسائل التواصل الاجتماعي. ومن الغريب أن الإنفاق على الأضاحي ينعكس ــــ سلبا ـــ على أعمال الخير أو يؤدي أحيانا إلى التقصير في الإنفاق تجاه الأسرة أو الأقارب بحجة الإنفاق على شراء عدد من الأضاحي. ومن المظاهر الأخرى الملحوظة أن بعضهم يقبل على شراء الأضاحي الكثيرة كنوع من أنواع الهدايا كي يقتسمها مع من أهداه من لحوم الأضاحي في الماضي. في الختام، آمل أن يقوم علماؤنا الأفاضل بتوعية الناس بعدم الإسراف والابتعاد عن مظاهر التباهي بعدد الأضاحي والحث على الإنفاق منها وفقا لتعاليم الدين الإسلامي، أي أن يأكل الإنسان منها، ويتصدق منها على الفقراء، ويهدي منها للأغنياء، لكيلا يفقد العيد معناه الديني الحقيقي، ويصبح يوما لذبح الحيوانات وتخزينها في الثلاجات لاستهلاك الأسرة فيما بعد. فينبغي أن يكون للفقراء منها نصيب، مثل عمال النظافة الذين يخدمون الأحياء تحت أشعة الشمس ولهيب الحر الحارق، وكذلك الفقراء الذين يمكن التعرف إليهم من خلال الجمعيات الخيرية، بل يمكن أن توفر هذه الجمعيات خدمات توصيل ثلث الأضحية إلى الفقراء المستحقين.
إنشرها