التعلم والعيش على الهامش

|
لم يسبق أن كانت المعلومات متاحة للجميع بسهولة وبدون تكلفة تذكر. في السابق كانت المعاناة الحقيقية في الحصول على الكتب والمقالات، فمنها ما هو ممنوع، ومنها الموجود في أماكن بعيدة عليك الانتظار أيام وليالي حتى تصل لها أو تصل هي إليك بعد أن تطلبها وتدفع مالا لقاء ذلك. بل كان مألوفا أن تتناقل الأيادي الجريدة اليومية "الورقية" أو المجلة الأسبوعية لتدور على مجموعة أصدقاء أو معارف. ولا زلت أذكر كيف كان الراغبون في القراءة يتجمهرون عند مكتبة التعاون الثقافي في وسط الهفوف عصرا وقت وصول الجرائد أو في أيام وصول المجلات مثل اليمامة ومجلة العربي الكويتية ذائعة الصيت أو روز اليوسف المصرية أو النهضة الكويتية. وبالتأكيد، فمن يزهد في متابعة المستجدات، فعليه أن يتحمل تبعات ضيق ثقافته وضعف قدرته على الإلمام بما يحدث حوله ليس في العالم، بل حتى في الحي الذي يسكن فيه. والضرر لن يقف عند حد، والزهد في القراءة ونهل المعرفة لا يمكن ربطه بأنه "قل لفاقة"، فعدم تدخلك فيما لا يعنيك شيء محمود، لكن افتقادك للفضول يعني غياب خصلة هي التي تدفع كل منا للتعلم ولتطوير حصيلته، فلولا أن لمحب الرياضيات شغفا لمعرفة المزيد لن يصبح رياضيا، وكذلك اللغوي والطبيب. ومفيد إدراك أن تلك الحاجة ستبقى ما بقي الإنسان حيا واعيا مدركا. أما الأكثر فائدة فهو حرص الإنسان أن يقرأ ليبني كما معرفيا يمكنه من تنمية قدراته على الاستيعاب والتفكير والإبداع والتخيل، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال تنظيم قراءاته في مجال أو مجالات محددة، ورعايتها بأن يستمر في إنعاشها وتحديثها بمزيد من الجهد ليس فقط من خلال القراءة بل كذلك بالانخراط بالأنشطة المعرفية، مثل التعليم الرسمي في المدارس والجامعات، والمشاركة في المحاضرات والندوات ولو عن بعد عن طريق الإنترنت، والنقاشات الحرة والمنهجية مع أهله وأصحابه وزملائه. ويمكن القول إن مرتكز العصر الذي نعايشه المعرفة، والمشاركة في المعرفة، وتحليلها والإضافة لها. وأن من يقرر الابتعاد عن استخدام واستيعاب وإنتاج المعرفة هو أو هي قرر ــ في حقيقة الأمر ــ العيش على الهامش، إذ يتسم عصر المعلومات بإنصافه في إتاحة الفرصة للجميع، وقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن القليل فقط هم من يوظفوا هذه الفرصة الثمينة توظيفا مثمرا.
إنشرها