أخبار اقتصادية- عالمية

الجولة الأولى من عقوبات إيران فاقت التوقعات .. وانكماش سريع للبدائل المتاحة للنظام

في غامرة الاهتمام العالمي بتطورات الأوضاع الاقتصادية في تركيا، ومتابعة وسائل الإعلام الدولية للتراجع شبه اليومي في قيمة الليرة التركية، وتركز التحليلات على أبعاد الأزمة التركية لمعرفة ما الذي يخبئه المستقبل لها، في ظل تدهور علاقاتها بالولايات المتحدة الأمريكية، وإصرار الرئيس الأمريكي على معاقبتها اقتصاديا، في ظل ذلك كله تراجع الاهتمام العالمي نسبيا بالشأن الإيراني.
فالأزمة الإيرانية التي احتلت مقدمة وسائل الإعلام لأسابيع وربما شهور، منذ بدء سعر صرف الريال الإيراني ينهار في مواجهة الدولار الأمريكي، وما رافقه ذلك من مظاهرات اجتاحت العاصمة طهران وغيرها من المدن الكبرى، احتجاجا على تدهور مستويات المعيشة، ورفع شعارات منادية بإسقاط حكم نظام الملالي، ثم بدء تنفيذ الجولة الأولى من العقوبات الاقتصادية الأمريكية على النظام الإيراني، والخطاب التصعيدي لطهران، ومحاولة حرف البوصلة بالترويج لمؤامرة تحاك ضد النظام، إلى أن أجبرت الانهيارات الاقتصادية المتتالية علي خامنئي إلى الإقرار على استحياء بوجود فاسدين داخل أروقة حكمه، وبأن السياسات الاقتصادية التي اتبعت لسنوات تتحمل المسؤولية على ما آل اليه الوضع.. ها هي إيران تعود إلى الواجهة من جديد بفعل حالة التمرد الشعبي التي تكشفها مواقع التواصل الاجتماعي يوما بعد آخر.
خلال الـ 48 ساعة الماضية اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي الإيرانية لقطات مسجلة لا تزيد مدتها عن ثوانٍ معدودة، لكنها تكشف بشكل قاطع كيف أدت الضغوط الاقتصادية إلى حالة إحباط تام من قبل الشعب تجاه نظام الملالي، بحيث إن حاجز الخوف والفزع لدى البعض أو حتى أوهام المستقبل المشرق لدى البعض قد ذهبت جميعها أدراج الرياح، وأن الوضع الاقتصادي جعل قبضة النظام غير محكمة كما كان الأمر طوال الـ 40 عاما الماضية.
الفيديو يظهر أحد رجال الدين يوبخ امرأة بدعوى أن حجابها غير محكم، ويهددها باستدعاء رجال الشرطة، في الظروف العادية كان الانصياع والخضوع هو الموقف الحاكم لطرفي المعادلة، إلا أن الفيديو يكشف أن الصمت لم يعد لغة الشارع الإيراني، إذ انقضت المرأة على الرجل توبيخا دفعه إلى الانسحاب، بل لم تتوقف عند ذلك في تحدٍ للسلطة القمعية التي فشلت في أن توفر الحد الأدنى من مقتضيات المعيشة الكريمة لشعبها بعد أن أهدرت موارده واستنزفت ثرواته، أزاحت السيدة الإيرانية غطاء شعرها وسارت في الطرقات.
الدكتورة أنا جورج؛ أستاذة علم الاجتماع، تعد أن الضغط الاقتصادي الذي تتعرض له الطبقة المتوسطة الإيرانية والأخذ في التصاعد نتيجة انهيار الريال الإيراني وارتفاع الأسعار، وفقدان الطبقة المتوسطة لأي آفاق اقتصادية إيجابية، كل هذا يدفعها إلى تبنى مواقف رافضة لأيدلوجية النظام بشكل متزايد، لأنه لم يعد لديها ما تخسره.
وقالت لـ"الاقتصادية"، إن الصمت الذي التزمت به لمدة أربعة عقود كان مرتبطا بأوهام زرعها نظام الملالي بأن التضحية الراهنة ستسفر عن نجاحات مستقبلية، وهو ما اكتشف الإيرانيون عدم مصداقيته.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فريهاد علي شيرازي، أن نتائج الجولة الأولى من العقوبات الأمريكية حققت نتائج أكثر مما يتوقع، فهي لم تسفر فقط عن انسحاب جزء كبير من الشركات الدولية العاملة في إيران، ولكن الأخطر أنها كشفت بشكل فاضح ان البدائل المتاحة للنظام تتقلص يوما بعد آخر بشكل سريع.
وأوضح لـ"الاقتصادية"، أن "الزيادات المتتالية في الأسعار وخاصة السلع الأساسية جعلت عديدا منها خارج قدرة قطاع كبير من الإيرانيين، فأسعار الطحين زادت ثلاث مرات خلال الأشهر الخمسة الماضية، وعلى الرغم من محاولة النظام ضبط الأسعار، إلا أن الوسائل التقليدية عبر الأجهزة الرقابية لم تعد تجدي نفعا، لأنها تتناقض ببساطة مع المعطيات الاقتصادية، فقوى السوق لم تعد قادرة على القبول بالضغط الذي يمارس عليها، خاصة أن الوضع الاقتصادي المتراجع ترافق مع أزمة بيئية جزء منها لعوامل طبيعية وآخر نتيجة سوء الإدارة، وأعني هنا شح المياه الذي أدى إلى تظاهرات في بعض البلدات الإيرانية، لكن الأكثر خطورة تأثيره على القطاع الزراعي".
وأضاف، "شح المياه أدى إلى مواجهات في بعض القرى، وحتما سينعكس ذلك على المحاصيل وسيؤثر في الميزان التجاري الإيراني، إذ إن الصادرات الزراعية تمثل جزءا كبيرا من إجمالي صادرات إيران غير النفطية، وإذ أخذ الوضع في التدهور وبدأت طهران في استيراد بعض احتياجاتها الزراعية من الخارج، فإن ذلك سيمثل ضغطا حقيقيا على الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية".
الوضع الاقتصادي السيئ في إيران، يتوقع أن يزداد سوءا مع انطلاق الموجة الثانية من العقوبات الأمريكية في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، التي ستطول القطاع النفطي الإيراني، وقد بدأت مجموعة من الدول التي تعد مستوردا رئيسا للنفط الإيراني إعادة النظر في موقفها حتى قبل أن تبدأ واشنطن تطبيق العقوبات.
الهند أحد أبرز تلك الدول، إذ تراجعت مشتريات شركات التكرير الهندية من النفط الإيراني في شهر حزيران (يونيو) الماضي بنسبة 12 في المائة مقارنة بشهر أيار (مايو)، وتدرس الهند عمليا خفض وارداتها من النفط الإيراني بنحو 50 في المائة.
وعلى خطى الهند تسير كوريا الجنوبية، إذ تكشف البيانات الرسمية لكوريا الجنوبية انخفاض وإراداتها من النفط الإيراني بنسبة 43.5 في المائة على أساس سنوي في شهر تموز (يوليو) الماضي، وربما لن يبقى في جدول مشتري النفط الإيراني غير الصين والاتحاد الأوروبي وذلك في إطار المناكفة القائمة بينهما وبين الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الراهن، لكن حتى إذا لم يبحث الصينيون والأوروبيون عن صيغة ما ترضي الجانب الأمريكي، التي يحتمل أن تتضمن تثبيت مشترياتهم من النفط الإيراني والتعهد بعدم زياداتها، فإن الصين والاتحاد الأوروبي لن يكونا قادرين على تسديد قيمة المشتريات إلا بعملتهما المحلية اليوان واليورو، مما يعني عمليا أن طهران لن تحقق فائدة كبرى من تلك المبيعات نظرا لحاجاتها المتزايدة إلى الدولار الذي يمثل 85 في المائة من إجمالي العملات المتداولة في التجارة العالمية.
هذا الوضع دفع بإيران إلى محاولة استباق الموجة المقبلة من العقوبات عبر تخفيض سعر النفط الإيراني للمشترين، وأشار مصدر مطلع في وزارة النفط الإيرانية إلى أن السعر المقترح من إيران لعملائها لمواصلة عملية الشراء، هو أدنى مستوى سعري للنفط الإيراني طيلة 14 عاما.
مع هذا فإن النظام الإيراني لا يزال يخرج ما في جعبته من حيل والعيب على أمل رأب الصدع الداخلي، وتفادي صدام مع الجماهير لا يعلم إلى أين يقود البلاد، صدام حتى وإن خرج منه النظام رابحا فسيكون فوزا بطعم الهزيمة، وقطيعة تامة مع شعبة لا رجعة فيها.
بدوره، أكد الباحث في الشؤون الإيرانية نادر مرتضى، أن حديث خامنئي عن محاكم عاجلة لمحاكمة الفاسدين والمتلاعبين بقوت الناس في أوقات الأزمات، والإقرار بأن سوء الإدارة الاقتصادية أقوى من سوط العقوبات الأمريكية، لم يكن أكثر من العصى والجزرة في مواجهة غضب كل من الطبقة المتوسطة ورجال البازار الذين دعموا النظام لعقود.
وأوضح لـ"الاقتصادية"، أن "التلويح بمحاكمة الفاسدين رسالة إلى كل من تسول له نفسه خاصة من كبار تجار البازار، بعدم التورط في معارضة النظام إلى حد الخروج على الخطوط الحمراء للعبة السياسة الداخلية، أما الحديث عن سوء الإدارة فهي رسالة أمل يسعى المرشد إلى بيعها للطبقة المتوسطة بأنه سيعيد ترتيب البيت الاقتصادي من الداخل".
واستدرك قائلا "لكن مشكلة الاقتصاد الإيراني لا تكمن في عدد محدود من الأفراد الفاسدين، الذين يستغلون الأزمة الراهنة للتربح وزيادة ثرواتهم، أو أن الأزمة جراء الفشل في اتخاذ قرارات اقتصادية حكيمة وصائبة، مشكلة الاقتصاد الإيراني تكمن في هيكله القائم على تربح السلطة على حساب الشعب، وغياب الشفافية الاقتصادية يعود لقناعات النظام بما فيه خامنئي ومن ورائه قادة الحرس الثوري، بأن الكشف عن المستور سيصيب الاقتصاد الإيراني والدولة والنظام في مقتل، ومن ثم لا بد من مواصلة التكتم على الحقيقة الاقتصادية".
وأضاف، "الحقيقة الاقتصادية أن هناك تداخلا وغيابا للخط الفاصل بين الدولة واستقلاليتها والمصالح المالية والتجارية والاقتصادية لمجموعة محدودة من العائلات الكبيرة التي تمثل شبكة من المافيا، ترى أن ما تقوم به من استغلال لثروات البلاد هو الثمن الطبيعي الذي يجب أن تتقاضاه مقابل جهودها للحفاظ على الأمن القومي الإيراني وتوسيع الإمبراطورية الفارسية".
ولكن هل عدم النظام حقا حلفاء دوليين قادرين على تقديم يد المساعدة ومناصرته والشد من آزره للخروج من أزمته الراهنة؟
بطبيعة الحال دولة بتاريخ إيران وثرواتها ومواردها لن تعدم المساندة الدولية، فإيران تعتقد أن الاستثمارات الصينية وشراء بكين للنفط قد يعوضها عن خسارة الولايات المتحدة، وأن السلاح الروسي يمكن أن يكون حصن الأمان لها في مواجهة الغضبة الأمريكية، والمنظمات الإرهابية التي تدعمها في الشرق الأوسط بالمال والسلاح والتدريب والخبرات القتالية ستكون منغص حياة لدول الإقليم، وطابور خامس مزعزع للاستقرار الداخلي بما يدفع تلك الأنظمة إلى التفكير كثيرا قبل تبني الموقف الدولي من إيران، وأن الاتحاد الأوروبي بقيادة ميركل سيمثل حائط صد ضد ما تعتبره طهران تغولا أمريكيا على سيادتها.
وأن غض أردوغان الطرف عمدا لتهريب السلع والذهب لإيران مقابل شحنات نفطية وعمولات، سيكون وسيلة إيران للهروب من نيران العقوبات الدولية.
إلا أن الدكتور ال. دي. اندي أستاذ العلوم السياسية، أكد أنه "إذا كان في مقدور تلك القوة مساندة إيران فلماذا تأخرت حتى الآن عن القيام بذلك، وبعد أن فقد الريال الإيراني نحو 50 في المائة من قيمته، الصين وروسيا يمكنهما تحمل بعض الضغوط نيابة عن إيران، لكنهما لا يستطيعان إنقاذ إيران، كما أن الاستثمارات الصينية والروسية لا يمكن أن تعوض ما ستفقده إيران من غياب التكنولوجيا الغربية المتقدمة واللازمة لتطوير البنية التحتية لمشاريع النفط الإيرانية".
وتابع، "أما الاتحاد الأوروبي فهو في نظر الكثيرين نمر من ورق، وفي قمة الناتو الأخيرة وتحت ضغط ترمب خضع الاتحاد وتحديدا ألمانيا، زاد من مساهمته المالية في الناتو، بل إن الاتحاد الأوروبي أخفق في إقناع شركاته بمواصلة تعاملاتها وأنشطتها في إيران".
وبخصوص تركيا، أوضح أن حجم المصاعب والتحديات الاقتصادية التي تواجهها نتيجة الضغوط الأمريكية، ستدفعها في ظل البرغماتية التي يتمتع بها أردوغان إلى تفادي مزيد من المشكلات مع واشنطن والابتعاد عن توثيق العلاقات الاقتصادية مع الإيرانيين.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية