هل ضاعت القيم في زمن الصراعات؟

|

ما من شك في أن البشر يشتركون في بعض القيم، التي تأسست على الأديان السماوية، أو تأسست على أساس الطبيعة البشرية، التي يفترض فيها النقاء والفطرة المحبة للخير والسلم والأمان للبشر كافة، إلا أن واقع الحال، خاصة ما يتعرض له عالمنا العربي والإسلامي يثير التساؤل تلو التساؤل عن أسباب ما يحدث في منطقتنا، سواء على أيدي أبنائها، أو بفعل العوامل الخارجية.
المشهد العام الكئيب من حروب، وتمزق، وعداء يحتاج إلى دراسات، وبحوث يتصدى لها علماء النفس، والاجتماع، والتربية للكشف عن الأسباب، واقتراح الحلول على الصعد كافة، وفي المجالات كافة. التأمل في الواقع المؤلم أوصلني - ولا أدعي إجراء دراسة علمية - إلى أن الحالة الاقتصادية المتردية لكثير من شعوب المنطقة تمثل سببا رئيسا؛ إذ لا مجال لقبول العيش تحت خط الفقر، مع النقص الواضح في الخدمات والاحتياجات الأساسية من كهرباء وماء وتعليم وصحة، وما الاحتجاجات في إيران والعراق وكذا الثورة السورية إلا شواهد على حالة التململ، وعدم الرضا الذي تعيشه شعوب هذه الأوطان وغيرها من دول المنطقة.
حالة التململ، وعدم الرضا يعززها سلوك الإسراف، ونهب الثروات، وصرفها في مجالات تافهة، أو مشاريع فاشلة تتعرض للسرقة، مع شعارات طنانة تتكرر على أسماع الناس خلال عقود دونما نتائج ملموسة على أرض الواقع، ما أوصل الناس إلى حالة يأس وقنوط وكفر بهذه الشعارات، وتراجع عن تأييدها. العامل الثاني المفسر لما تشهده المنطقة هو الفشل في الأداء السياسي الداخلي والخارجي، ففي الداخل تكون الهيمنة والتحكم في مصائر الشعوب والأوطان محصورة في نطاق ضيق، تربط فيما بينها خصائص الانتماء العسكري، أو الانتماء الأيديولوجي، مع تهميش واضح لأفراد المجتمع كافة إلا ما ندر، ويتم تعيين مسؤولين دونما تأثير يذكر في صناعة القرار واتخاذه، كما في حالة بعض الدول، وما واقع هذه الدول إلا تجسيد حقيقي للاستبداد الطائفي الكريه. أما الأداء السياسي الخارجي، فيتمثل في ضعف التعامل مع الأطراف الخارجية، والخنوع لإرادة الآخرين؛ إما مسايرة لضعف الثقة بالنفس، وإما خوفا من ردود أفعالهم؛ ما جرأهم لدرجة التدخل في الشؤون الداخلية من عادات، وتقاليد، وقيم تأسست في ضوئها مجتمعات ودول المنطقة، لتصل الجرأة بهم إلى نقد الثوابت، والسياسات، والإجراءات، والمناهج الدراسية.
التركيبة الاجتماعية في منطقتنا عرقيا، المتمثلة في العرب والفرس والترك والكرد والأفغان والأمازيغ، إضافة إلى المكونات الدينية من مسلمين ومسيحيين والإزيديين وغيرهم، وكذا التركيبة المذهبية المتعددة، كل هذه التصنيفات يفترض أن تكون فسيفساء متكاملة يتحقق من خلالها الاستقرار والنماء، إلا أن هذا التنوع تحول إلى شرخ مدمٍ؛ لتعارض المصالح، ولسهولة الاستغلال من الحكومات لضرب المكونات بعضها ببعض، حتى تسهل السيطرة، كما أن أطرافا خارجية تستغل بعض العناصر داخل هذا التنوع لتحقق من خلاله مكاسب سياسية واقتصادية، ولا يغيب عن البال المثل الإنجليزي "فرق تسد"، الذي اعتمده الإنجليز خلال فترة الاستعمار الكريهة، ومثَّل أساسا لبرامجهم، وسياساتهم في نهب الثروات واستعباد الشعوب.
في الوقت الراهن، أدى الإعلامان التقليدي والحديث دورا كبيرا في إحداث الشروخ المتعددة بين أبناء الأمة، مستغلا جهل وقلة علم البعض ومحدودية ثقافتهم، حتى تم تجنيد بعض شباب الأمة، وإثارة الحماس لديهم للمشاركة في كثير من الأحداث في أماكن متعددة من العالم، دفاعا عن مبدأ يُعتقَد أنه الصواب؛ ما زاد كوارث الأمة وتضحياتها الجسام بالنفس والممتلكات، وما "داعش" إلا مثال حين ألهبت حماسَ منتسبيه وسائلُ الإعلام، وحيلُ المخابرات.
في وضع كارثي كهذا الذي تعيشه الأمة، يحق للمرء التساؤل: هل ضعفت القيم الإنسانية أم اختفت، التي أنشئت من أجلها هيئات دولية، ولماذا حدث هذا التحول؟! أم أن المصالح الخاصة، سواء على مستوى الأفراد، أم على مستوى الدول ممثلة في حكوماتها أقوى من القيم الإنسانية التي يفترض أن تلتقي عندها الأمم؛ بغض النظر عن أعراقها ودياناتها ومذاهبها؟ وهذا ما انتهيت إليه، فالمصالح أقوى من أي شيء آخر في عالم اليوم.

إنشرها