ثقافة وفنون

مدرسة الحج .. ثقافة وأدب ومنافع شتى

لفريضة الحج ثقافة، وأخلاقيات، وأدب، وحكم، وسلوك، فهي تعد مؤتمرا كبيرا يجمع أكثر من مليوني مسلم سنويا، على اختلاف أطيافهم ولغاتهم وألوانهم وثقافاتهم وبيئاتهم وأعراقهم، متعلمين وأميين، ذكورا وإناثا، أثرياء وفقراء، فيمنحهم "الركن الخامس" فرصة التلاقي وتبادل الثقافات والأفكار.

تنوير الناس
عبر التاريخ، كان الحج مناسبة لتنوير الناس بأمور دينهم وعقيدتهم وتوعيتهم بأصول الدين ومحاسن الأخلاق، وخير دليل على ذلك ما قام به النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، حينما قال للناس إنه قد أكمل لهم دينهم، وأن الدين الإسلامي هو الدين الذي سيلاقون به ربهم، سبحانه وتعالى، واستثمر اجتماع الأمة ليخبرهم بأوامر الله ونواهيه.
وقد دعا الناس وهو في الخيف من منى إلى إبلاغ المعرفة، وتداولها، والعمل على وصولها إلى الناس كافة، وأبلغهم بأن المعرفة أمانة وعليهم إبلاغها لأي مسلم، وفي جبل عرفات، ألقى - صلوات الله وسلامه عليه - خطبة الوداع، كأنما الحج موطن للتعلم والتثقيف.
والأمر ذاته فيما بعد، إذ أصبح الحج فرصة للقادة والسلف الصالح من التابعين والأئمة ليؤكدوا على المبادئ والأسس الإسلامية والإنسانية الرصينة، والتأكيد على قضايا الأمة الرئيسة، وتوحيد الصف للوقوف معها، وتعميق الثقافة الإسلامية لدى الحاج، والتذكير بسنن النبي والتصرفات والأخلاقيات التي يجب أن يتحلى بها المسلم، وغرسها كي تكون جزءا من ثقافته وسلوكه ووسطيته، ونبذ الغلو والتطرف والكراهية والفرقة.

عبادة وأخلاق
لا شك أن لكل منسك من مناسك الحج ثقافة تجمع بين العبادة والأخلاق الحسنة، وتغرس في قلب المسلم ثقافة الحج، ومنها أمثلة ذلك؛ تعلم اليُسر واللين من خلال التيسير على العباد في محطات الحج المختلفة، الذي أتاحه الله - سبحانه وتعالى - لحكمة، إذ يجوز للحاج تأخير رمي الجمرات، وتأخير طواف الإفاضة، واختلاف المغادرة لدى المتعجل أو المتأخر، وسقوط طواف الوداع عن الحائض والنفساء.
ليس هذا فحسب؛ فالحج تجربة نفسية عميقة، إذ تتيح المناسك للمسلم فرصة التسامح والصبر والتعاون واحترام الآخر، خصوصا يوم عرفة، حينما يقف جميع الحجاج على صعيد واحد، وزمان واحد، حتى إذا ما عاد الحاج إلى وطنه، كان من سماته الصبر، والتسامح، وحسن الظن بإخوانه المسلمين، والكرم، والإحسان إلى البشرية من المسلمين وغير المسلمين، بإظهار سماحة الدين والعفو عند المقدرة.
ومن ثقافة الحج التي يكتسبها المرء أثناء أداء ركنه الخامس هي ترك الجدال، وتجنب الخوض في المسائل الخلافية، امتثالا لقوله تعالى: "الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج". وقد أدرك المفكرون ذلك وأكدوا عليه، وأشاروا إلى تعلم ثقافة الاختلاف من الحج، كما أن التنوع المحمود يورث الاحترام المتبادل، وقيل قديما: "الناس بخير ما تباينوا، فإذا تساووا هلكوا".
على نحو آخر، الحج مناسبة للحجاج لنشر ثقافات بلادهم، وتقبل الآخر بثقافته مهما كانت، فهم جاؤوا من كل فج عميق ليتعارفوا، ويتآلفوا، ويشعروا بوحدة صفهم وكلمتهم، ونشر العادات والتقاليد الحسنة والقيم الاجتماعية الإيجابية، ونقلها إلى أوطان وبلدان أخرى، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، وفي ذلك يقول - صلى الله عليه وسلم: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، قالوا: يا نبي الله: ما الحج المبرور؟ قال: "إطعام الطعام، وإفشاء السلام".

ثقافة مغيبة إعلاميا
ثقافة الحج وعناصرها، وأهميتها في سلوك الحجاج وأداء مناسكهم، ثقافة مغيبة إعلاميا، وهي من الأمور التي قد لا يدركها الحاج دون تفكر وتأمل.
وللإعلام دور جوهري في بيان مقاصد الحج، الذي يسعى إلى الارتقاء بسلوكات الحجاج، ونشر وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، وتعزيز قيم السماحة والحوار بين الثقافات، مع إبراز الوجه الحضاري الإنساني لشعيرة الحج ومناسكها للعالم كله.
وحسنا فعل بعض مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي في إيصال الصورة كاملة من خلال المنصات التفاعلية، والنقل المباشر من الأراضي المقدسة لتلبية النداء الرباني، ونقل روح الفريضة إلى كل بقاع الأرض، ليتعرف العالم على الإسلام وثقافته السمحة.
فعلى مدى عقود طويلة، كان هذا الدور منوطا بالرحالة والمستشرقين، فيحللون ويكتبون عما يدور في بلاد العرب، ورحلة الحج على وجه الخصوص، وفي الوقت ذاته كان الحجاج ينقلون إلى بلدانهم الكتب الإسلامية، والتفاسير والدراسات المتصلة بالإسلام والمسلمين، فأثّرت بدورها في سكان الدول البعيدة، مثل روسيا ودول شرق آسيا، ودفعت الآلاف إلى اعتناق الإسلام اقتناعا بسماحته ورسالته العظيمة والمقاصد من وراء أركانه وعباداته.
ولا ننسى الرحلات العلمية أثناء الحج للرحالة العلماء، الذين سجلوا تنقلاتهم ومروياتهم وما تلقوه من معارف وعلوم ومواقف وأسئلة فقهية وأدعية من شيوخ أجلاء، ومنها رحلة ابن رشيد الأندلسي إلى الحج، وعلماء آخرين.
تجارب في غرس ثقافة الحج
تضطلع بعثات الحج والمطوفين بدور مهم في تسيير شؤون الحاج، وتدريبه على شعائر الحج والظروف المصاحبة، ومن التجارب الناجحة في هذا الجانب، التجربة الماليزية، التي يشهد لها العالم الإسلامي أجمع، واستنسختها دول أخرى مثل إندونيسيا والسودان والهند. وتقوم التجربة على إخضاع الحاج لدورات تدريبية في مناسك الحج وثقافته، وسلوك الحاج، وكيفية التصرف في المواقف المختلفة، ما يفيده نفسيا وبدنيا وسلوكيا، ويجنبه الصعوبات والمشاق والتدافع الذي قد يؤدي إلى الموت، لا قدر الله.
دورات التجربة الماليزية تتضمن التعريف بوسطية الإسلام، وكيفية التعامل مع الآخر، والتعارف والتواصل، لضمان سير الحج بالشكل المطلوب، وتحقيق مقاصده على كافة الأصعدة، بدءا من مكان النسك والمشاعر المقدسة حتى مغادرتهم إلى بلادهم سالمين غانمين، ليكونوا خير سفراء لوطنهم، خصوصاً أن غياب ثقافة الحج والجهل يكشف عن سلوكيات سلبية غير مقبولة من الحاج، مثل رمي النفايات في غير مكانها، والنوم في أماكن العبادة حتى في الشوارع، سواء من الرجال أو النساء والأطفال، والشتم، والتدافع، وسط غياب لروح فريضة الحج.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون