ثقافة وفنون

سمير أمين .. مجدد الماركسية و«مؤنسن» العولمة

غادرنا يوم الأحد المنصرم الاقتصادي المصري سمير أمين، وهو واحد ممن خالفوا الإجماع القائم على استخدام الماركسية في السياقات السياسية والفلسفة، في حين عمل على توظيف أدواتها الاقتصادية، والاشتغال عليها وبها نظريا وعمليا. ليس من المبالغة في شيء القول بأن الراحل كان من الاقتصاديين القلائل الذي صاروا جزءا من المشهد الثقافي العربي.
امتدت شهرة أمين خارج حدود العالم العربي، إذ كان اسما بارزا ضمن خبراء الاقتصاد في فرنسا، حيث درس وعاش معظم حياته. وتخطى الاعتراف بهذا الاقتصادي الماركسي الحدود؛ في الاختصاص وفي الجغرافيا أيضا، حيث عُرف عالميا كمنظّر رئيس في تيار مناهضة العولمة.
يعد الراحل من أعلام مدرسة التبعية في العلوم الاجتماعية، كما أنه من مؤسسي نظرية المنظومات العالمية. وشارك في تأسيس منظمات بحثية وعلمية عدة، منها المجلس الإفريقي لتنمية البحوث الاجتماعية والاقتصادية، ومنتدى العالم الثالث الذي ظل يترأسه حتى رحيله. علاوة على عمله مستشارا اقتصاديا في عديد من الدول الإفريقية، مثل مالي ومدغشقر وجمهورية الكونغو وغيرها، وشغل في حقبة السبعينيات منصب مدير معهد الأمم المتحدة للتخطيط الاقتصادي في دكار.

تجديد الماركسية

تعد أعمال الراحل؛ عربيا وعالميا، لبنة مرجعية في تطور وتطوير الفكر الاقتصادي الماركسي، سواء من الناحية العملية، حيث شارك في حركات تجديدية كثيرة، أو على المستوى النظري حين اشتغل على تطوير عديد من الأدوات المنهجية من أجل تسخيرها لقراءة الواقع أو تفسير التاريخ بعيدا عن المركزية الأوروبية.
يرى أمين أن معظم المفاهيم المستعملة في النصف الأول من القرن العشرين في علم الاقتصاد، كانت بنت المركزية الأوروبية، ما يجعلها قاصرة عن تلبية حاجياتها التفسيرية بحكم خضوعها لسياقها التاريخي، خصوصا متى كان محل الدراسة والبحث مسائل ذات صلة بالعالم العربي أو شرق آسيا أو إفريقيا.
أحدث كتابه "التطور اللامتكافئ: دراسة في التشكيلات الاجتماعية للرأسمالية"، الذي نشر لأول مرة سنة 1973 صدى على الصعيد العالمي، بما تضمنه من تحليل فريد لأنماط الإنتاج في محيط ومركز الإنتاج الرأسمالي. بصيغة أخرى نقول، إن أطروحته حول "اقتصاد التبعية والتطور غير المتوازن"؛ التي تعرف اختصارا بنظرية "المركز والهامش" أساس شهرته، إذ بها يفسر التحولات الكبرى التي تطرأ على التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية على مستوى العالم.
يعتقد محارب الليبرالية أن التغيير يأتي دائما من أطراف النظم لا من مراكزها، حيث إن الشكل الطرفي للنظام هو الشكل غير المكتمل له، ما يجعله جزءا مرنا قابلا للتجاوز. بينما مراكز النظام هي الشكل المكتمل له والجامد، وبذلك يكون الجزء الذي يصعب الانتقال منه إلى نظام جديد يتجاوز النظام القديم، الذي بلغ حدوده التاريخية النهائية في شموليته.
سعى "آخر الماركسيين العرب" إلى تجاوز نظرة الماركسية الكلاسيكية لأنماط الإنتاج على أنها تتعاقب وفق نظام تاريخي لكل الحضارات، نحو التأكيد أن أنماط الإنتاج هذه كثيرا ما وجدت إلى جانب بعضها بعضا في تشكيلة اجتماعية واحدة.

أنسنة العولمة

حرص أمين، على غرار باقي المفكرين أصحاب الخلفية الماركسية، على ربط السياسة بالاقتصاد، ورفض فصل فكرة السوق عن مسارات صراعات القوة السياسية والعسكرية. ولا يتردد في التأكيد على ذلك بقوله: "الاستمرار اللامحدود للانتشار الرأسمالي أمر مستحيل، إن النمو الرأسمالي لا بد أن يؤدي إلى تزايد نزعة التوحش والاستقطاب".
يفاجئ صاحب كتاب "ما بعد الرأسمالية" كثيرين حين يؤكد بأن العولمة التي يناهضها، ظاهرة قديمة قدم الإنسانية. فالظاهرة - بحسبه - تعود إلى ما قبل العصور الحديثة، حيث يتساءل: أليس انتشار الديانات الكبرى، كالمسيحية والإسلام، عولمة في حد ذاتها؟ بلى لكن بأشكال أخرى، وفي عصور أخرى.
إن عولمة اليوم؛ أي العولمة الرأسمالية، تؤدي إلى الاستقطاب على الصعيد العالمي، فالعالم مقسم إلى مراكز مسيطرة وأطراف تابعة لها، وهو ما كان عليه الحال عبر التاريخ مع مختلف أشكال العولمة على مر التاريخ.
إن الحل لتخفيف حدة الاستقطاب الذي يعيش على وقعه العالم بسبب العولمة؛ من وجهة نظر أمين، هو العمل على إعادة تنظيمه بنظرة إنسانية. وذلك بالسعي - وفق ما أورده في كتابه "أزمة المجتمع العربي" - إلى توفير إطار "فوق أممي"، يوفر هامش اشتغال أكبر للأمم المتحدة. مسعى يبقى بعيد المنال، حيث يعترف بأن هذا الحل لن يتحقق، ولو بشكل جنيني إلا بعد التخلص من العقبة الرئيسة المتمثلة في السيطرة والهيمنة الأمريكية.
زيادة على ذلك، يدعونا إلى تجاوز النظام الرأسمالي عن طريق تضامن دولي، بيد أنه سرعان ما يعود ويعترف بأن قدرة الرأسمالية على تجاوز أزماتها رهيبة، لكن السؤال لديه يبقى، بأي ثمن؟ إذ في كل مرة تنجح في هذا اختبار التجاوز، يصبح الجانب التدميري للتراكم الرأسمالي أكثر قوة. وقد أثبتت الدراسات البيئية ذلك بمنتهى الوضوح، فلقدرة الرأسمالية على التكيف جانبا تدميريا يظهر في تراكم رأس المال.
إن نجاح أي مفكر اقتصادي أو سياسي في النقد والتفكيك ليس ضمانة للحصول على النتيجة نفسها في البناء واقتراح البدائل. ربما يكون سمير أمين أحد الأمثلة التي تنطبق عليها هذه القاعدة، فمهما اختلف مع توجهات وقناعات الرجل لا بد أن يلقى منك الاحترام على ما قام به من عمل في نقد ومراجعة الماركسية قصد تطويرها.
لكن ما يقدمه من بدائل، بشأن "العولمة التوافقية" التي لا تعتمد على الهيمنة والتسلط، تبقى محط تساؤلات كبرى عالقة، لم يستطع أن يقدم بشأنها أجوبة مقنعة له، فأنّا له أن يقنع بها الآخرين، ففي كل مرة يواجه بها يتراجع إلى الوراء رابطا عجزه على بلورة وصياغة بدائل واضحة ومقنعة بقوة المنظومة القائمة حاليا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون