FINANCIAL TIMES

مصانع أمريكا تتخوف من كبح الرسوم للانتعاش

عندما اختارت شركة إس إف للسيارات SF Motors، الشركة المنافسة لشركة تسلا Tesla، مكاناً لتصنيع سياراتها الكهربائية الفاخرة للسوق الأمريكية، تجاوزت الساحل الغربي للولايات المتحدة ومنطقة حزام الشمس الجنوبية الصديقة للتصنيع، لتصل مباشرة إلى مفترق طرق في ولايات الغرب الأوسط.
المنطقة المحيطة بساوث بند بولاية إنديانا، التي تضم بلدة ميشاواكا؛ حيث ستبدأ الشركة المدعومة من الصين العام المقبل تصنيع سيارات كهربائية للبيع، شهدت عقودًا في ممارسة تصنيع السيارات، وقوة عاملة ماهرة يمكن تدريبها بسرعة لصناعة المركبات الصديقة للبيئة في المستقبل.
كان العمال في ساوث بند، في الأصل، يصنعون عربات كهربائية بلا خيول لشركة صناعة السيارات الأمريكية الأسطورية ستيوباكر Studebaker عام 1902.
ذلك الإرث من مهارات التصنيع، ووجود البنية التحتية المادية مثل مصنع هامفي القديم، أعطى هذه البلدة الصغيرة في إنديانا ميزة الأفضلية لدى شركة إس إف للسيارات SF Motors، شركة ذات ملكية خاصة، أكبر مستثمر لديها شركة سوكون Sokon ومقرها تشونج تشينج، وهي شركة تصنيع لسيارات الاستخدامات الرياضية والمركبات التجارية.
وعدت شركة إس إف للسيارات SF Motors باستثمار ما لا يقل عن 160 مليون دولار لتجهيز مصنع متطور على الموقع – وبذلك تعيد توظيف معظم العمال البالغ عددهم 330 عاملاً الذين فقدوا وظائفهم عندما أغلق المصنع نفسه العام الماضي– وتنشئ 467 فرصة عمل بحلول عام 2020.
هذا هو أقل من نصف نحو ألف موظف من الذين كانوا يعملون في الموقع في ذروته في بداية القرن الحالي، عندما كان يصنع عربات هامفي.
يشكل هذا نحواً من 50 في المائة أكثر من العمل هناك في السنوات الأخيرة، عندما كانت تُصنع سيارات مرسيدس ذات الاستخدامات الرياضية.
إحياء المصنع جزء من اتجاه وضع عددا من الولايات الأمريكية في الغرب الأوسط في الطبقة العليا لمكاسب توظيف المصانع في الولايات المتحدة منذ انتخاب الرئيس دونالد ترمب عام 2016، وهو نصير متحمس للتصنيع في أمريكا.
قوة صناعة مكاسب التوظيف في الولايات، التي تشمل ساحات معارك رئيسة لانتخابات الكونجرس في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، بشرى سارة لترمب الجمهوري. على أن أكبر تهديد لهذا النهوض في الغرب الأوسط هو سياسة ترمب التجارية.
تراجعت الوظائف الصناعية في ميشاواكا بعد الأزمة المالية، ولكن منذ ذلك الحين تجاوز نمو الوظائف في تلك المنطقة بسهولة المتوسط الأمريكي.
قال جيسون والاس، مدير التسويق والعلامات التجارية في شركة إس إف SF Motors: "إنهم يعرفون كيفية بناء سيارات عالية الجودة، ونريد أن يعمل هؤلاء الأشخاص لدينا.
لا تزال هناك كثير من المهارات التي تحتاج إليها لصنع سيارة عالية الجودة، والشركاء الذين تحتاج إليهم لا يزالون موجودين في الغرب الأوسط".
قال مؤسس شركة إس إف SF ورئيسها التنفيذي جون تشانج، مرددًا شعار الولاية، في حفل للاحتفال بالاستثمار "إنديانا: ولاية تعمل".
وقال لصحيفة فاينانشيال تايمز في مقابلة في الموقع: "بالنسبة لنا لكي نبني مصنعا من الصفر، الأمر ليس بهذه السهولة؛ لأنه يحتاج إلى الوقت. جميع العمال هنا مدربون تدريباً عالياً، ولدينا دعم جيد من اتحاد عمال السيارات المتحد. بالتالي يمكننا بناء هذا المصنع بكامل طاقته في وقت أقصر بكثير".
وقالت كل من سيسيليا كولمان ودينيز ديفيس، وهما من العمال الذين فقدوا وظائفهم عندما أوقف أصحاب المصنع السابقون الإنتاج في أواخر العام الماضي، إنهما تشعران بسعادة غامرة لبدء أعمال جديدة في مصنع جديد للسيارات الكهربائية.
وقالت كولمان، وهي ترتدي مثل جميع العاملين في إس إف للسيارات SF Motors رداء أزرق غامق اللون بقلنسوة تبدو أشبه بوادي السليكون منها في ولايات الغرب الأوسط: "هذا المكان سيكون ناجحا للغاية".
ولم تكن لا هي ولا ديفيز عاطلتين عن العمل فترة طويلة، حتى من دون العمل في شركة إس إف للسيارات SF Motors، كما تقولان.
يؤكد عدد من العمال أن كثيرا من أرباب العمل المحليين يقومون بالتوظيف في المنطقة– بما في ذلك مصنع لبناء عربات هامفي للجيش في الجوار، وعدد من مصنعي المركبات الترفيهية المتنقلة في مدينة إلكهارت بولاية إنديانا، موطن صناعة السيارات الترفيهية الأمريكية.
لعقود من الزمان، كان ينظر إلى الغرب الأوسط الصناعي على أنه في حالة من التدهور الذي لا رجعة فيه، لكن الواقع مختلف.
توضح أماكن مثل ميشاواكا الانتعاش البسيط في التوظيف الصناعي الذي يحدث في ولايات مثل إنديانا وإيلينوي ووسكنسن وأوهايو وأيوا وميتشجان، التي لديها تراث صناعي تعتز به ويمتد أكثر من 100 عام.
على مدار العامين الماضيين، كانت الولايات المذكورة في الغرب الأوسط هي التي أظهرت بعض أقوى مكاسب التوظيف في أمريكا، ما أدى إلى زيادة فرص العمل في المصانع بوتيرة أسرع من ولايات حزام الشمس في الجنوب.
في الفترة من تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 إلى أيار (مايو) 2018، كانت تكساس أكبر ولاية في الولايات المتحدة من حيث إنشاء فرص العمل، حيث ازدهرت صناعات النفط والغاز والبتروكيماويات فيها.
على أن خمسا من أفضل عشر ولايات لإنشاء فرص العمل كانت في الغرب الأوسط العلوي، بما في ذلك وسكنسن وأوهايو وميتشجان.
كانت بعض هذه الولايات هي الأماكن التي قلب فيها ترمب التوقعات بانتصار الديمقراطيين، ملحقاً الهزيمة بهيلاري كلينتون.
وقال مارك مورو من معهد بروكينجز: "هذه تعمل لمصلحة الرئيس ترمب. ليس لأن الاقتصاد الوطني على ما يرام؛ بل لأن المزيج الصناعي يفضل الغرب الأوسط العلوي".
وقال جاستن روز، وهو شريك في مجموعة بوسطن الاستشارية مقره شيكاغو، إنه خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية، كانت الولايات الجنوبية تتنافس بقوة لجذب التصنيع.
أدخلت تشريعات "الحق في العمل" المناهضة للنقابات وخففت الأعباء التنظيمية، وأنشأت التدريب المؤسسي وتنمية القوى العاملة، والحوافز الموجهة لجذب المصنعين. كانت ولايات الغرب الأوسط متأخرة في هذه اللعبة، كما قال روز، "لكنهم الآن بدأوا في اللحاق بالركب، وهي تسحب تلك الروافع نفسها".
يقول جيف كورزنيك، كبير الاستراتيجيين الاستثماريين في بنك فيفث ثيرد، إنه يعتقد أن هناك أسباباً هيكلية تلعب دورا أيضاً.
وأضاف: "في الغرب الأوسط، هذا أمر يتعلق بالثقافة، لا تزال الوظائف الصناعية محترمة. ثم إن الغرب الأوسط أرخص، وتكلفة الكهرباء أقل، والعقارات أرخص، والبنية التحتية للنقل رائعة".
ومع ذلك، عبر الغرب الأوسط، تتزايد المخاوف من أن تؤدي محاولات ترمب إلى تحسين حجم التصنيع في الولايات المتحدة إلى عرقلة تقدم الصناعة.
الرسوم الجمركية على الفولاذ والألمنيوم، التي فرضت هذا العام، تثير منذ فترة قلق الصناعات التي تستهلك المعادن، والآن هناك موجات من القيود التجارية الإضافية التي يجري تنفيذها أو التهديد بها، بما في ذلك الانتقام من الاقتصادات الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي والصين وكندا.
أدت الرسوم الجمركية على الصلب والألمنيوم إلى بعض الإعلانات عن زيادة الإنتاج في الولايات المتحدة.
على سبيل المثال، أعلنت شركة ريبابليك ستيل Republic Steel أنها ستعيد تشغيل مصنعها في لورين، بولاية أوهايو، في أيلول (سبتمبر) المقبل، حيث ستوظف نحو 80 عاملاً في المرحلة الأولى من الانتعاش المأمول لإنشاء أكثر من ألف وظيفة.
وقالت شركة نيوكور Nucor، أكبر شركة لصناعة الصلب في الولايات المتحدة من حيث القيمة السوقية، الشهر الماضي إنها تتوقع أن تكون أرباحها في الربع الثاني أكثر من ضعف ما كانت عليه في الفترة المماثلة من عام 2017.
غير أن عملاء الصلب يشعرون بالقلق من ارتفاع سعر المعدن في الولايات المتحدة بنحو 50 في المائة منذ الخريف الماضي.
وهذا أكثر من الرسوم الجمركية 25 في المائة التي تفرضها الإدارة، وأكثر بكثير من الزيادة المتواضعة في أسعار الصلب التي شهدتها أوروبا والصين خلال الفترة نفسها.
قال إدوارد فارر، مدير المشتريات في شركة برينسيبال مانوفاكشيرينج Principal Manufacturing، التي تصنع مكونات للسيارات ومنتجات أخرى في إيلينوي: "هذه فوضى لا تصدق. كانت الولايات المتحدة لديها في الأصل أعلى أسعار للصلب في العالم. الآن لديها إلى حد كبير أعلى الأسعار في العالم".
ويمثل المعدن عادة ما يراوح بين 30 و70 في المائة من تكلفة مكونات شركة برينسبال Principal، وتهدد الأسعار المرتفعة بأن تجعل الشركة غير قادرة على المنافسة.
لم تقم الشركة بتسريح أي عامل، ولكن تم تجنب ملء الشواغر. وقال فارر: "موظفونا قادرون على الحصول على راتب جيد، يمكنهم شراء منزل وتربية عائلة... هناك وظائف جيدة مع العمالة الماهرة. وإذا بدأنا نفقد هذه الوظائف، فسنواجه صعوبة في إعادتها مرة أخرى".
بالنسبة للشركات الأمريكية الأخرى، فإن الرسوم الجمركية الجديدة على المكونات المستوردة من الصين، التي بدأ سريانها- مصدر القلق الأكبر.
وقال أوستن راميريز، الرئيس التنفيذي لشركة هيوسكو إنترناشيونال Husco International، التي تصنع مكونات للسيارات والمعدات المتنقلة في ولاية وسكنسن، إن الأعمال كانت جيدة بفضل الاقتصاد السليم، ودفعة من تخفيضات ضرائب الأعمال التي صدرت في نهاية العام الماضي.
كما حذر من أنه يمكن أن يكون للرسوم الجمركية تأثير مخيف.
عندما تكون هناك عوامل لبس من هذا القبيل، إلى حد ما يتوقف كل شيء. ويتجمد هذا على الفور. أنا لست أعمى عن المشاكل التي يحاول الرئيس علاجها. هذا يبدو وكأنه طريقة ذات مفعول عكسي لتحقيق ذلك".
يرجو كثير من رجال الأعمال أن يتراجع قادة العالم عن حرب تجارية شاملة.
في الحقيقة، تدخل الرسوم الجمركية الأمريكية والإجراءات الانتقامية من البلدان الأخرى الآن حيز التنفيذ، مع عدم وجود أي اتفاق على ما يبدو في الأفق، تعمل على استنزاف الثقة.
قال مايك هابرمان، رئيس شركة جرادال إندستريز Gradall Industries، شركة لتصنيع الحفارات مقرها ولاية أوهايو: "عندما ورد ذكر هذا الموضوع أول مرة، قلتُ في نفسي: كل شخص يتظاهر من أجل أهداف معينة، سيعقدون صفقة. هذا ليس جيدًا لأي شخص".
"ما زلنا نأمل في أن من المكن التوصل إلى حل، لكني توقفت عن حبس أنفاسي. بدأتُ أشعر بالقلق من أن هؤلاء الرجال يتمسكون بمواقفهم وليس لديهم أي استعداد للتغيير".
هناك علامات على أن مخاوف مماثلة بدأت في التأثير في العمال في الغرب الأوسط. أشار الاقتصاديون في بنك ويلز فارجو إلى أن استبيان "مجلس المؤتمر" حول ثقة المستهلكين أواخر الشهر الماضي، أظهرت "أن التوقعات انخفضت بشكل حاد في الغرب الأوسط"، على الرغم من أن التفاؤل على المستوى القومي لا يزال مرتفعاً.
في شركة إس إف SF Motors في ولاية إنديانا، أراد تشانج أن يظل بعيداً عن الجدل حول التجارة.
هل يشعر بالقلق من أن التوترات يمكن أن تعطل خطته في نهاية المطاف لإنتاج خمسين ألف سيارة كهربائية في ميشاواكا؟ يجيب بشكل دبلوماسي: "نأمل أن تحل القضايا التجارية في نهاية المطاف".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES