ثقافة وفنون

الوظيفة .. حدود الفصل بين الاستعباد والإمتاع

كتب عباس محمود العقاد، قبل أكثر من قرن؛ عام 1907، مقالة وضع لها عنوانا "الوظيفة رق القرن العشرين"، قدم فيها مرافعة متكاملة بشأن موقفه من الوظيفة، مع تذييلها بما بدا له حينها مناسبا من مبررات ذاتية لتفسير موقفه.
كتب العقاد يقول: "... من السوابق التي أغتبط بها أنني كنت فيما أرجح أول موظف مصري استقال من وظيفة حكومية بمحض اختياره، يوم كانت الاستقالة من الوظيفة والانتحار في طبقة واحدة من الغرابة، وخطل الرأي عند الأكثرين. وليس في الوظيفة الحكومية لذاتها معابة على أحد، بل هي واجب يؤديه من يستطيع، لكنها إذا كانت باب المستقبل الوحيد أمام الشاب المتعلم فهذه هي المعابة على المجتمع بأسره".
قبل أن يضيف مفسرا وشارحا دواعي مثل هذا القرار: "إن نفوري من الوظيفة الحكومية في مثل ذلك العهد الذي يقدسها كان من السوابق التي أغتبط بها وأحمد الله عليها.. فلا أنسى حتى اليوم أنني تلقيت خبر قبولي في الوظيفة الأولى التي أكرهتني الظروف على طلبها كأنني أتلقى خبر الحكم بالسجن أو الأسر والعبودية.. إذ كنت أؤمن كل الإيمان بأن الموظف رقيق القرن العشرين".
مع تحول الوظيفة اليوم إلى عمل آلي بفعل التطور التكنولوجي الذي لا يترك أي هامش للإبداع والابتكار أمام الموظف، غير اتباع التعليمات وطاعة الأوامر وقبول التوجيهات، فالموظف الناجح هو من يتقن السيطرة على الأزرار، أو من يكون على اتصال دائم بشبكة الإنترنت دون رسم حدود بين زمن الحياة الخاصة وزمن الشغل.
أمام هذا التحول، استعاد بعضهم ما كتبه العقاد كحجة لإعلان الحرب على الوظيفة، وإنزالها منزلة العبودية في العالم المعاصر، معتبرا الموظف مجرد قِن؛ فهو يكافح وينافح ويغدو ويروح من أجل أن يأكل ويشرب ويعيش، أليست هذه عبودية في أبشع صورها؟ ألم يتحول الإنسان من سلعة تباع وتشترى في الأسواق إلى ما يسمى عبيد الأرض في عصر الإقطاع، ثم إلى عبيد الوظيفة في عصر الرأسمالية؟
إن الأمر في نظر هؤلاء مجرد تلطيف لذات الفكرة حتى يتقبلها الناس، فالتحول كان على المستوى اللفظي فقط، من "عبد" إلى "موظف" مع بقاء المعنى نفسه. ويعد أحد الأنثربولوجيين البريطانيين بأن أول ظهور للوظائف العمالية كان داخل مزارع العبيد عقب الثورة الصناعية.
من جانبه، يؤكد المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، الذي يعد من الأسماء المنافحة عن أفكار هذا التيار، على أن الفروقات القائمة بين عبودية الرقيق وعبودية الموظفين بسيطة للغاية؛ "قديما كان الرقيق يُباعون ويُشترون، أما الآن فإن البشر يُؤجرون. ولا يوجد فرق كبير بين أن تبيع نفسك، وأن تؤجر نفسك".
ويضيف في سياق كشف التقاطعات التي تبدو له بين النظامين بأن "عبودية الأجر لا تختلف كثيرا عن عبودية الرقيق، وإلى وقت قريب لم يكن هذا رأيا غريبا بل شائعا، فقد كان هناك اعتقاد سائد بأن الفرق الوحيد بين العمل للأجر والعمل كرقيق هو أن العمل للأجر من المفترض أن يكون مؤقتا، بينما العمل كرقيق أمر دائم".
يظهر أن كل من لم يطق الوظيفة، ولم تكن الوظيفة لتطيقه من جانبها، ينبري ليطلق الأحكام عليها بالجملة والتفصيل دون تمحيص؛ ناسيا أو متناسيا أن الوظيفة هي وقود الثورة الصناعية، بل صارت مع الوقت ضرورة من ضرورات الحياة المدنية.
مما لا شك فيه أن قياس الوظيفة بالعبودية قياس فاسد من أساسه، فالوظيفة ليست عبودية بالشكل الذي يشار إليه، إنما هي التزام معين وأعمال خاصة، يعين لها أشخاص يعرفون التعامل معها، خلال منظومة متكاملة من التعليمات والقواعد اللازم القيام بها.
في حين نجد العبودية في أبسط تعريف لها هي: "امتلاك الإنسان للإنسان"؛ فالعبد هو كل إنسان محروم من أهليته وإرادته التي تكون بين يدي غيره، إما بشكل كلي أو جزئي. تاريخيا، لا اتفاق بخصوص البدايات الأولى لظاهرة الرق، غير الإجماع القائم على أنها ظاهرة عريقة وضاربة في القدم، لدرجة أنها كانت معروفة لدى جميع حضارات العالم التاريخية بلا استثناء.
يعد المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت من المدافعين عن هذه الفكرة، قائلا: "بينما كانت الزراعة تُنْشئ المدنيّة إنشاء، فإنها إلى جانب انتهائها إلى نظام الملكية، انتهت كذلك إلى نظام الرق الذي لم يكن معروفا في الجماعات التي كانت تقيم حياتها على الصيد الخالص".
على هذا الأساس إذن، يكون أن استغلال الإنسان للإنسان إحدى الخصائص التي يفرضها نمط عيش في المجتمع المتحضر، وليس كما يعتقد بعضهم من أنها صورة حصرية للمجتمعات البدائية وإنسان الكهف.
لا يقف الموضوع عند هذا الحد، إذ نكتشف بإمعان النظر قليلا أن أطروحة إلغاء استخدام الإنسان للإنسان متهافتة، على الرغم مما تمارسه من إغراء وإغواء لدى التلقي الأول لها. ببساطة، لأن أي حضارة أو تجمع إنساني في عالم اليوم تنعدم فيه سيكون مصيره لا محالة إلى الزوال، ولنا أن نسرح قليلا بالخيال في مجتمع بشري لا أساس فيه لفكرة الاستخدام، لنرى هل بالإمكان أن تقوم له قائمة في أي جانب من جوانبه.
إن أقوى جواب يمكن أن يواجه به معارضو الوظيفة، مقولة تعود إلى الروائي الروسي أليكسي بيشكوف المعروف بلقب مكسيم غوركي يقول فيها: "عندما تكون الوظيفة متعة، تكون الحياة مبهجة، أما إذا كانت واجبا تكون عبودية".. إن الذات الإنسانية هي من يحسم المسألة في البدء والمنتهى؛ أهي وظيفة أم عبودية بحسب نظرتها.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون