FINANCIAL TIMES

تقليص الحجم .. رهان الطاقة النووية لاستعادة التنافسية

تعمل العشرات من الشركات على جيل جديد من المفاعلات، التي تعد بأنها يمكن أن توفر الطاقة النووية بتكلفة أقل مع تقليل المخاطر.
هذه المحطات الصغيرة ستولد في المتوسط ما بين 50 ميجاواط و300 ميجاواط من الطاقة مقارنة بأكثر من 1000 ميجاواط من المفاعل التقليدي.
وستعتمد على تكنولوجيات التصنيع على أساس الوحدات المستقلة، التي ستقلل من مخاطر البناء، التي ابتليت بها المشروعات الكبيرة.
يعتقد المؤيدون أن هذه "المفاعلات المتقدمة القائمة على وحدات مستقلة"، التي تسمى AMR – في معظمها لن تكون تجارية حتى ثلاثينيات القرن الحالي – بالغة الأهمية إذا أُريدَ للقوة الذرية، أن تنافس ضد الانخفاض السريع في تكاليف الطاقة الشمسية والرياح.
يقول تيم ستون، وهو مستشار مخضرم في الصناعة ورئيس "شركات التأمين ضد المخاطر النووية"، التي تؤمن المواقع النووية في المملكة المتحدة: "الفيزياء لم تتغير. الأمر يدور حول تصميم أكثر ذكاء يوفر المرونة التي تشتد الحاجة إليها من حيث التشغيل".
منذ انهيار مفاعل فوكوشيما في اليابان عام 2011، فإن المخاوف بشأن السلامة كانت تهدد الطاقة النووية. العقبة الأكبر اليوم هي العقبة الاقتصادية.
في أوروبا الغربية، هناك ثلاث محطات قيد الإنشاء: في المملكة المتحدة في هينكلي بوينت "سي" في سومرست.
وفي فلامنفيل في فرنسا؛ وفي أولكيلوتو Olkiluoto في فنلندا. وهي تشتمل جميعا على تكنولوجيا شركة الكهرباء الفرنسية إي دي إف EDF، التي ستستخدم في هينكلي بوينت.
كل هذه المشاريع متأخرة بعدة سنوات عن مواعيدها المقررة وميزانيات متزايدة باستمرار. في الولايات المتحدة، أول مشروعين نوويين يجري العمل عليهما خلال الثلاثين عامًا الماضية يتوقفان أيضًا بسبب تقديرات التكلفة.
المملكة المتحدة، التي افتتحت أول مفاعل نووي تجاري في العالم عام 1956، هي واحدة من البلدان الغربية القليلة الملتزمة بتجديد أسطولها المتقادم لضمان أمن الطاقة، وتلبية الأهداف الصارمة لتخفيض الكربون. وينظر إليها على أنها أرض اختبار، من قبل كثيرين في الصناعة، لقدرة الطاقة النووية على استعادة الثقة.
ومع ذلك، فإن اتفاقية بريطانيا مع شركة الكهرباء الفرنسية لبناء وحدتين في هينكلي بوينت – اللتين ستنتجان معا 3.2 جيجا واط من الكهرباء – تتعرض لانتقادات حادة بسبب تكلفتها.
وتتطلع الحكومة إلى نماذج تمويل مختلفة، لكنها قالت إنها لا تزال ترى أن الطاقة النووية حيوية لمزيج الطاقة المستقبلي للبلاد. وتعتقد أن المفاعلات الصغيرة لديها القدرة على توليد الطاقة التي تشتد الحاجة إليها اعتبارا من ثلاثينيات القرن الحالي.
هناك صفقة في قطاع الطاقة النووية، كشف النقاب عنها الشهر الماضي، بمبلغ يصل إلى 56 مليون جنيه في تمويل الأبحاث والتطوير في المفاعلات النموذجية المتقدمة، جذبت اهتمام الشركات الناشئة من جميع أنحاء العالم.
ترجو الحكومة أن يمنح التمويل المملكة المتحدة زمام المبادرة في السباق العالمي لتطوير هذه التقنيات، ما يساعد على توفير أمن الطاقة في الوقت الذي تنشأ فيه أيضًا سوق تصدير بمليارات الدولارات للشركات الهندسية البريطانية.
قالت فيونا رايلي، رئيسة فريق عمل الخبراء الماليين الذي أنشأته حكومة المملكة المتحدة: "هناك سوق عالمية كبيرة للمفاعلات الصغيرة. ويمكن نشرها في مواقع أكثر ومواقع مختلفة بالنسبة للمفاعلات الكبيرة".
وأضافت رايلي: "الاختلافات الرئيسة مع المفاعلات الكبيرة هي كيفية بناء هذه المفاعلات الصغيرة – نسبة كبيرة منها يتم تصنيعها في المصانع، وبالتالي هناك مخاطر أقل في الإنشاء، وتكاليف رأسمالية أقل بكثير. هذان العاملان ينبغي أن يساعدا على جذب التمويل من القطاع الخاص".
شاركت ثماني شركات اجتماعا في بيرمنجهام في الأسبوع الماضي بعد الحصول على تمويل من حكومة المملكة المتحدة كجزء من مبادرتها. وكان من بينها شركة يو باتري U-Battery، وهو اتحاد شركات مقره في المملكة المتحدة يضم شركة أورينكو Urenco، مجموعة تخصيب اليورانيوم.
وقال ستيف ثريلفول، المدير العام لشركة يو باتري U-Battery، التي تقدر أن أحد مفاعلاتها الفردية سيكلف نحو 40 مليون جنيه عندما يتم بناء وحدات متعددة: "التكلفة الرأسمالية مهمة في المجال النووي". ستبلغ تكلفة بناء الوحدة الأولى نحو 76 مليون جنيه استرليني.
ومن بين شركات البناء الأخرى الراغبة في الانضمام، هناك شركة مولتكس إنرجي Moltex Energy وشركة توكماك إنرجي Tokamak Energy في المملكة المتحدة وشركة ليدكولد LeadCold السويدية وشركة أدفانسد ريأكتور كونسيبتز Advanced Reactor Concepts (ARC) الأمريكية، إضافة إلى تكتل يضم المعهد الصيني لتكنولوجيا الطاقة النووية.
وهي جميعا تقدم مجموعة من التقنيات المختلفة لعدد لا يحصى من التطبيقات، من توفير الكهرباء إلى مزيج من الحرارة والكهرباء. يمكن أن يستخدم بعضها لتوليد الهيدروجين، وما يجعلها جذابة هي المرونة التي يمكن أن تنتشر في سيناريوهات مختلفة، ما يساعد على تزويد الكهرباء إلى موقع صناعي كبير أو توفير الحرارة والكهرباء إلى موقع بعيد غير قادر على الوصول إلى شبكة نقل مركزية.
البعض الآخر يمكن أن يبنى في مجموعات وفي الأساس تعمل مثل المفاعل التقليدي.
المفاعلات النووية الصغيرة ليست جديدة، فهي موجودة على متن الغواصات النووية، في حين أن روسيا لديها كاسحات ثلجية تعمل بالطاقة النووية في القطب الشمالي.
كما كانت المختبرات الوطنية تبحث في التكنولوجيا عدة عقود، ولكن لا يوجد شيء حتى الآن على المستوى التجاري على أي نطاق.
ومن المتوقع أن تبدأ أول ثلاثة مفاعلات متقدمة التشغيل التجاري في الصين وروسيا والأرجنتين بحلول عام 2020، وفقا للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

إطار
مفاعلات جيل المستقبل: 2 من المتنافسين
شركة توكاماك إنرجي Tokamak Energy: ST40
ترجو هذه الشركة التي تتخذ من أكسفورد مقرا لها، أن تحدث ثورة في توليد الكهرباء من خلال الاستفادة من الاندماج النووي. التحدي الرئيس الذي يواجهها هو أن الاندماج النووي حتى الآن يستهلك طاقة أكثر مما ينتج.
وقد أنشأت ثلاثة نماذج أولية حتى الآن. والهدف هو إنتاج وحدات توليد بقدرة 150-200 ميجاواط من الكهرباء
شركة مولتكس إنرجي Moltex Energy: SSR
تركز هذه الشركة البريطانية الخاصة المدعومة من الأفراد الأغنياء على مفاعلات الملح المصهور. وقال الشريك المؤسس إيان سكوت إنه بإمكانها توليد حرارة تصل إلى 600 درجة، وهي عالية بما يكفي لتخزين الطاقة الرخيصة في "الملح الشمسي"، ما يُوجِد في جوهره بطارية لإطلاقها عند الحاجة ولتعزيز طاقة الرياح والشمس.
تتنافس الشركات الخاصة والشركات المملوكة للدولة بشكل متزايد من أجل القيام بأي بدور. في الولايات المتحدة، تشمل الأسماء البارزة "تيراباور" TerraPower، التي أسسها جزئيا بيل جيتس، وشركة نيوسكيل NuScale في ولاية أوريجون، التي تتطلع أيضًا إلى التوسع في سوق المملكة المتحدة.
مفاعل نيوسكيل NuScale – القائم على مفاعل الماء الخفيف، الذي يُنظر إليه على أنه أقرب إلى التسويق التجاري – قيد المراجعة للحصول على موافقة الجهات التنظيمية الأمريكية. وتتضمن تكنولوجيته 60 ميجاواط من "وحدات الطاقة"، يمكن دمج ما يصل إلى 12 منها لإنشاء محطة بقدرة 720 ميجاواط.
ويُنظر إلى كندا، على وجه الخصوص، على أنها سوق يحتمل أن تكون مربحة من قبل المطورين من القطاع الخاص لهذه التكنولوجيا. يمكن للمفاعلات المساعَدة على استبدال محطات الفحم، وتوفير الطاقة المحلية لاستخراج الموارد، مثل استخراج النفط أو خدمة المجتمعات البعيدة غير المتصلة بالشبكة.
كما وقعت شركة مولتكس إنرجي Moltex Energy أخيرًا صفقة مع شركة مملوكة للحكومة الكندية للعمل على بناء نسخة تجريبية تجارية بحجم 300 ميجاواط من مفاعلها المستقر للملح.
وقال إيان سكوت، الشريك المؤسس لشركة مولتكس Moltex، إن الشركة لا تزال تعتقد أن سوق المملكة المتحدة جذابة "إذا فُهمت العوامل الاقتصادية بالشكل الصحيح". وقال إن البلاد لا تحتاج فقط إلى كمية كبيرة من الطاقة، ولكنها تستفيد أيضاً من جهاز تنظيمي جيد ومستويات جيدة من الخبرات النووية و"سكان موالين عموماً للطاقة النووية".
ومع ذلك، فحتى المفاعلات الأصغر تواجه تحديًا من حيث التكلفة. التكلفة العالية لبناء أول مفاعل من نوعه هي تحد رئيس للصناعة الناشئة، إلى جانب الحصول على تراخيص لهذه التكنولوجيات.
وقد وجد تقرير مستقل من إعداد شركتي إي آي وآتكينزAtkins وEY، وهي شركة استشارية، بتكليف من حكومة المملكة المتحدة قبل عامين، أن التكاليف الأولى للمفاعلات الصغيرة ذات الوحدات المستقلة ستكون أعلى نسبة إلى المفاعلات النووية الضخمة.
كما قال دوغالد ميدلتون، الشريك في شركة إي آي EY، هذا لا يعني أن الحلم الكبير لإنشاء مفاعل نووي صغير قد انتهى. "لن يتحمل الزبون الأول جميع تكاليف تطوير المنتج لسيارة أو طائرة نفاثة تجارية".
الشريك الصيني لعطاء شركة دي بي دي
برز أحد المعاهد النووية الصينية ليكون واحدا من المعاهد الفائزة في المنافسة التي نظمتها أخيرا حكومة المملكة المتحدة لمفاعلات الوحدات المستقلة المتقدمة، بحسب ما تستطيع كشفه صحيفة فاينانشال تايمز.
معهد تكنولوجيا الطاقة النووية والطاقة الجديدة، وهو دائرة للأبحاث مقرها جامعة تسينجهوا، هو المقاول الفرعي الرئيس في العقد.
وقد كون شراكة مع مجموعة الاستشارات الهندسية في مقرها في المملكة المتحدة، شركة دي بي دي، التي تعمل على إدارة العطاء، لكن الدور الصيني لم يتم التصريح عنه في البيان الحكومي الصادر بشأن الصفقة. تقتني الصين بالأصل حصة لها في مصنع الطاقة النووية "هينكلي بوينت"، لكن الوزراء أبدوا حساسيتهم بشأن حصول الصين على حصة كبيرة لها في المشاريع.
قال ديفيد كامينج، العضو المنتدب لدى شركة دي بي دي للأسواق الناشئة، إن الشراكة تهدف لأن تكون مفيدة لكلا البلدين". كما أضاف أن الصين "لديها صناعة نووية متطورة للغاية".
سيقوم التكتل بدراسة تطبيق التصميم الصيني، الذي يستخدم تكنولوجيا سرير الحصى. يتم تغذية تلك المفاعلات من خلال توزيع حصى الوقود التي تنتج سخونة ذات درجات حرارة مرتفعة، والتي يمكن استخدامها على نطاق واسع من التطبيقات. وتمكن هذه التكنولوجيا المفاعلات من التبريد التدريجي دون أي تدخل فيما لو حصل أي حادث.
بدأ معهد تكنولوجيا الطاقة النووية والطاقة الجديدة في بناء أول مفاعل تجريبي لديه عام 1995 كواحد من البرامج الرئيسة في الصين، التي تتم برعاية الدولة. في عام 2006، شاركت جامعة تسينجهوا في استثمار مبلغ ثلاثة مليارات رنمينبي مع شركة هيوانينج وشركة الطاقة النووية في الصين، وهما اثنتان من شركات الطاقة الصينية المملوكة للدولة، لبناء مفاعل نووي بقدرة تشغيلية تصل إلى 221 ميجا واط من الكهرباء في مقاطعة شاندونج.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES