الشهادات الوهمية والمزورة .. وباء العصر

|
تتداول وسائل التواصل الاجتماعي أسماء أو قوائم الحاصلين على الشهادات الوهمية بين وقت وآخر، على الرغم من تجريمها ومكافحتها من قبل الناشطين في هذا المجال، وعلى رأسهم الدكتور موافق الرويلي من خلال وسمه الشهير "هلكوني" - شكر الله سعيه وكثر من أمثاله. فبعد قيامي بكتابة ثلاثة مقالات أو أربعة حول هذا الوباء المجتمعي الخطير على مدى السنوات العشر الماضية، كان أولها الموسوم بـ"تسونامي تزوير الشهادات الجامعية والألقاب المزيفة" المنشور في جريدة الرياض عام 2007، ومع جهود الرائعين ومثابرتهم - أمثال الرويلي - ظننت أن الموضوع سينحسر ويتلاشى مع الضغوط القانونية والمجتمعية، لكن الموضوع لا يزال ساخنا، ولا يزال بعض الوهميين يمارسون أعمالهم وأنشطتهم التي تمس المجتمع بشكل مباشر، على الرغم من إحالة بعضهم إلى التحقيق! كما هو معروف، فإن الحصول على شهادة وهمية يُعد جريمة، لا ينبغي التهاون بشأنها، والأنظمة في معظم الدول تُجرم بيع الشهادات الوهمية أو شرائها، استشعارا بخطورتها على المجتمع. لذلك، يضطر الوزراء والمرشحون للرئاسة في الدول المتقدمة أن يستقيلوا ويتركوا مناصبهم عند اكتشاف ارتكابهم للسرقة العلمية أثناء دراساتهم العليا، مثلما حدث لوزيرة التعليم الألمانية أنيته شافان وغيرها. ومن الملاحظ أن صناعة الشهادات الوهمية وبيعها يزدهران وينتشر في الدول النامية التي يتدنى فيها الوعي المجتمعي بخطورة تلك الشهادات أو تنقصها الأنظمة أو تفتقر إلى التطبيق الصارم، أو كل هذه الأمور مجتمعة. لذلك، انتشرت كالنار في الهشيم بعد احتلال العراق وما عقبه من ضعف في الأنظمة، كما انتشرت في دول الخليج بسبب توافر القدرة المادية لشرائها. والأهداف من شرائها كثيرة، لكنها تكاد تنحصر في هدفين رئيسين، هما: الأول "عملي" من أجل الكسب المادي، سواء في التعليم أو التدريب أو الاستشارات الأسرية أو الطب أو الهندسة أو القانون، والثاني التباهي وتعزيز المكانة الاجتماعية، خصوصا بين الأثرياء ورجال الأعمال. المشكلة الكبيرة أن كثيرا من أفراد المجتمع لا يستوعب خطورتها ولا يعرف ما تخفي وراءها من مدلولات خطيرة. والعجيب أن أصحاب الشهادات الوهمية ترعرعوا منذ نعومة أظفارهم على ترديد الحديث الشريف "من غشنا فليس منا" في جميع مراحل التعليم. عبارة بسيطة، لكنها تحمل في مضمونها مدلولات كبيرة، أبسطها أن الغشاش لا ينتمي للمجتمع، وينبغي أن ينبذ، لأنه يشكل خطرا عليه، حتى لو كان ذكيا وقادرا على العمل الذي يمارسه، بل إن الإنسان الذكي الذي يفتقر إلى الأمانة والصدق هو أقدر على المكر والخداع والغش والتدليس، وبالتالي هو أخطر بكثير من الإنسان العادي. والأهم من ذلك كله، كيف يمكن الثقة في داعية أو مستشار أسري، أو مدرب أو طبيب أو أستاذ جامعي قام بجريمة تزوير وغش وتدليس أو انتحال شخصية؟! ينبغي التعامل بحزم مع من يثبت حصوله على شهادة وهمية، وهو يمارس عملا له مساس بالمجتمع، إذ يجب أن يُوقف ترخيصه ويمنع من ممارسة النشاط الذي يمارسه، مع التشهير بجريمته، لأن الثقة تبقى مجازفة بإنسان استطاع - مع سبق الإصرار والتخطيط - أن يزور ويدلس على المجتمع، ويظهر بثوب ليس ثوبه. فينبغي على وزارة الشؤون الإسلامية أن توقف الدعاة الذين يحصلون على شهادة وهمية، وأن تُوقف حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وبالمثل أن تقوم وزارة العمل والتنمية الاجتماعية بإيقاف المدربين المرخصين من قبلها، وتقوم - كذلك - وزارة التعليم بإبعاد الحاصلين على الشهادات الوهمية عن التعليم العام والجامعات، وينبغي أن تستشعر الهيئات المهنية خطورة الشهادات الوهمية وتكثف جهودها لتنظيف المؤسسات من الوهميين، خاصة المؤسسات الصحية. وإلى جانب ذلك، أقترح إنشاء مكتب للنزاهة العلمية يتبع لوزير التعليم مباشرة للمراقبة والضبط ووضع الأنظمة، كما أتمنى إصدار نظام للنزاهة العلمية يشمل مكافحة الشهادات الوهمية وتعزيز النزاهة في ممارسة البحث العلمي، خاصة أن هذا الأمر أصبح اهتماما عالميا. الادارة
إنشرها