الاقتصاد الأمريكي ينمو بقوة

|
ارتفع معدل نمو الاقتصاد الأمريكي في الربع الثاني 2018 إلى 4.1 في المائة. وتصل هذه النسبة إلى نحو ضعف نظيراتها في الربع الأول من العام، كما أنها الأعلى منذ الربع الثالث من عام 2014. جاء معدل النمو الربعي القوي نتيجة لارتفاع معدل إنفاق المستهلكين بنسبة 4 في المائة، وزيادة معدلي نمو الاستثمار والصادرات السلعية بنسبتي 7.3 في المائة، و13.2 في المائة، على التوالي. وقد نما إنفاق المستهلكين بنسبة أعلى من المعتاد في هذه الفترة، كما اندفع الإنفاق الاستثماري بنسبة أقوى، نظرا إلى الخفض الكبير في ضرائب دخل الشركات، وإلى حد أقل على دخول الأفراد. ظلت معدلات النمو الاقتصادي الأمريكي السنوية تحت نسبة 3 في المائة لأكثر من 14 عاما. وترى الجهات الرسمية الأمريكية أن معدل النمو الاقتصادي القوي سيتجاوز هذه النسبة وسيستمر في النمو القوي خلال السنوات المقبلة، بينما يشكك معظم المختصين في هذه الفرضية. تأتي هذه الشكوك من أن معظم نمو الإنفاق الاستهلاكي الأخير جاء نتيجة لتأثير الخفض الضريبي المؤقت في الاقتصاد، ولهذا من المتوقع تراجع معدل نمو الإنفاق الاستهلاكي - الذي يمثل 70 في المائة من الاقتصاد الأمريكي - إلى نسبته في الفترات السابقة التي تقدر بنحو 2.5 في المائة. أما نمو الصادرات المرتفع خلال الربع الثالث من 2018، فإن استمراره صعب المنال، ومن شبه المؤكد تراجعه في الأرباع المقبلة، نتيجة للنزاعات التجارية التي تخوضها الإدارة الأمريكية مع الدول والتجمعات الاقتصادية العالمية، خصوصا الصين. ومن المرجح أن الزيادة الكبيرة في الصادرات السلعية خلال الربع الثاني من 2018 تعود إلى مخاوف المستوردين الخارجيين من ارتفاع الرسوم الجمركية على السلع والمنتجات الأمريكية. ويغتنم المستوردون والمنتجون الفترات السابقة لأي زيادات في الرسوم الجمركية أو الضرائب أو أسعار السلع لتخزين السلع وتحقيق مكاسب اقتصادية إضافية. ولهذا، من المتوقع تراجع نسبة نمو الصادرات السلعية الأمريكية في الربع المقبل، وقد تسجل معدلات سلبية إذا استمرت الحروب التجارية التي تقودها الولايات المتحدة مع الدول الأخرى. يتخوف كثير من المختصين من نتائج هذه الحروب التي ستؤثر سلبا في سلاسل إنتاج السلع والخدمات، ما سيقود حتما إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي، وفي حال تفاقمها قد تدخل البلاد في ركود اقتصادي. أسهم الخفض الضريبي الكبير - الذي يقدر بنحو 1.5 تريليون دولار - في دفع النمو الاقتصادي الأمريكي، الذي أسهم بدوره في خفض معدلات البطالة دون 4 في المائة أخيرا. من جهة أخرى، يتخوف منتقدو خفض الضرائب من تصاعد العجز المالي الذي سيؤثر سلبا في الاقتصاد بعد فترة من الزمن، لكن السلطات التنفيذية الداعمة ترى أن الخفض الكبير سيدفع النمو الاقتصادي الذي سيرفع محصلة الضرائب ويعوض الفاقد الناتج عن الخفض. ولا تدعم التوقعات موقف وجهة نظر داعمي خفض الضرائب، حيث تشير إلى أن العجز المالي في الولايات المتحدة سيتجاوز تريليون دولار في 2020، ما يشكك في رؤية مؤيدي الخفض الضريبي حول حجم نمو الإيرادات الضريبية. ترى السلطات الرسمية أن التخفيضات الضريبية ستحفز الاستثمار وتزيد معدلات التوظيف، لكن يتوجس بعضهم من ذهاب معظم منافع التحفيزات الضريبية إلى مصلحة الشرائح السكانية الأغنى والمضاربات المالية. وقد أعلنت الشركات الأمريكية في شهر أيار (مايو) الماضي نيتها إعادة شراء أسهمها بمبالغ تزيد على 200 مليار دولار. ومن المتوقع أن تخصص شركات مؤشر ستاندرد آند بورز 800 مليار دولار هذا العام لإعادة شراء أسهمها. وستقود عمليات إعادة الشراء إلى رفع أسعار الأسهم الأمريكية، ما سيعود بالنفع على الشرائح الأغنى في الولايات المتحدة. وتقدر دراسة لجامعة نيويورك أن 84 في المائة من الأسهم الأمريكية تعود ملكيتها إلى أغنى 10 في المائة من المجتمع، بينما تصل حصة أغنى 1 في المائة إلى 38 في المائة من إجمالي قيم الأسهم. وتركز أنماط توزيع الثروة عوائد النمو الاقتصادي والتخفيضات الضريبية في الشرائح السكانية الأغنى وتزيد من فوارق الدخل والثروة في المجتمع، ما يقلل من منافعها، بل قد يتسبب في زيادة التوترات الاجتماعية. من جهة أخرى، تمثل الأجور معظم دخول الأسر متوسطة الدخل، ولم تشهد الأجور تحسنا يذكر في الفترات الماضية على الرغم من النمو الاقتصادي والحسومات الضريبية الكبيرة. من المؤكد أن تسارع معدلات النمو الاقتصادي لأي بلد أمر جيد ومرحب به ومفيد للاقتصاد العالمي، وتزداد أهميته كلما ازداد الحجم الاقتصادي للبلد. ونظرا إلى ضخامة الاقتصاد الأمريكي وكونه أكبر مستورد في العالم، فإن نموه يرفع الطلب العالمي بشكل ملموس على السلع والخدمات. ويعد النفط من أبرز السلع المستفيدة من ارتفاع الطلب، ما يعزز مكاسب أسعاره ويعود بالإيجاب على اقتصاد الدول المصدرة له، أهمها المملكة. في المقابل قد تقود التطورات الاقتصادية القوية إلى الضغط على معدلات التضخم، الذي يدفع السلطات النقدية إلى تبني سياسات نقدية متشددة ورفع معدلات الفائدة. ونظرا إلى ارتباط معدل صرف الريـال بالدولار الأمريكي، فإن رفع معدلات الفائدة في الولايات المتحدة سيقود بصورة آلية إلى رفع معدلات الفائدة في المملكة، ما قد يعوق حركة النمو ويؤثر سلبا في النمو الاقتصادي.
إنشرها