ثقافة وفنون

أندية القراءة .. شباب سعودي يكسر احتكار النخبة

برزت إلى الساحة الثقافية في السنوات الأخيرة أندية للقراءة، تناقش عناوين ومحتوى كتب أدبية وفكرية بشكل أسبوعي أو شهري، وتجيب على أسئلة تركها المؤلف في طيات كتابه، وتسمح بنقد الأفكار، وتحاول أن تقرأ ما بين السطور والكلمات.
لا شك أن هذه الأندية أنتجت نخبا ثقافية شبابية، في ظاهرة إيجابية تمكنت من استثمار أوقاتهم، وإثراء الحركة الثقافية الحقيقية في المجتمع، وكذلك المخزون الثقافي لدى الفرد.

معيار التحضر
تعد أندية القراءة معيارا لتحضر المجتمعات، ففي كل المعايير العالمية يُقاس تقدم أفراد المجتمع بمعدل قراءتهم وإنتاجهم السنوي من الكتب، وأرقام البيع والإنتاج وتوالي الطبعات والإصدارات، وتنوعها أيضا.
وقد انطلقت بعض الأندية إلى ما هو أبعد من الحلقات أو الطاولة المستديرة لمناقشة عناوين الكتب، ووصلت إلى مراحل متقدمة، تمكنت من تكوين شبكة علاقات جيدة، واكتسبت سمعة طيبة أهلتها لاستضافة المؤلفين ومناقشتهم في كتبهم، والإفادة من النقد الأدبي. فيما يعود ذلك على القارئ بفوائد نفسية وفكرية واجتماعية، من خلال قضاء الوقت فيما يحب، واستثماره في طرح الأفكار وتحسين مهارات التواصل والتعارف على أشخاص باهتمامات متشابهة يتشاركون الذوق نفسه.
أما ثقافيا، فيستفيد القراء وأعضاء النادي من الاطلاع على جهات النظر المختلفة، ودفعه إلى التأمل والتفكير ونهل المعرفة عبر قراءة مزيد من الكتب، واستعارتها أيضا من أعضاء النادي، وصقل مهارات الكتابة والاستماع، وتمكين الأعضاء من تجربة كتب مختلفة ومتنوعة.

مبادرات شبابية
في المملكة، يمكن إحصاء أكثر من 40 ناديا للقراءة، جلها تأسس بمبادرات شبابية، منها نادي كتابي، نادي قراء الرياض، نادي كلمة، نادي أثر، نادي لنقرأ معا، نادي كتاتيب، نادي القراءة التابع لجامعة الملك سعود، نادي صفحات للقراءة بجامعة الملك خالد، نادي تفسير، نادي فكرة النسائي، نادي فتيات الرياض النسائي، نادي الطائف، نادي مكة، نادي أوراق بالراكة، نادي ضوء، نادي الإكليل، ونادي هيوستن وعشرات الأندية الأخرى.
ولكل ناد أيام محددة للاجتماع، مثل تحديد يوم الـ28 من كل شهر ميلادي، أو أول جمعة من كل شهر هجري، أو يوم الثلاثاء كل أسبوعين بعد صلاة المغرب، وحتى الاجتماع بشكل أسبوعي لمدة ساعة ونصف، بل وإتاحة التصويت على موعد اللقاء عبر حساب النادي عبر "تويتر"، أو استطلاع عبر تطبيق "واتساب"، فيما اقتصرت بعض الأندية على العنصر النسائي.

مكان واحد.. تطبيق واحد
في وقت تقف فيه عقبة إيجاد المكان المناسب لتجمع أعضاء نادي القراءة، اختارت بعض الأندية التجمع "إلكترونيا"، بعد أن وجدوا تطبيقات ملائمة على وسائل التواصل الاجتماعي، تناسب أهداف النادي التي أنشئ من أجلها، وتتجاوز عقبة وجود عشرات الأشخاص في مكان واحد، وزمان واحد، ومدينة واحدة، بغض النظر عن الجنس أو العمر والخلفيات الثقافية.
يأتي ذلك في وقت يطالب فيه بعض المثقفين بحل هذه العقبة التي تقف حائلا أمام تأسيس مزيد من أندية القراءة، وذلك عبر توفير أماكن ملائمة مثل المكتبات العامة، وإتاحتها في أوقات الإجازات نهارا أو ليلا، وتوفير قاعات في الغرف التجارية في المناطق على سبيل المثال، أو حتى أركان في بعض المدارس والجامعات والأندية الرياضية، وإتاحة الحضور للعامة من خارج النادي.

كسر احتكار النخبة
يعزو مثقفون ظهور أندية القراءة وانتشارها في المملكة، وفي أنحاء الوطن العربي كذلك، رغبة من الشباب في كسر احتكار النخبة الثقافية للمشهد الثقافي والتجمعات الأدبية، سواء في الأندية الأدبية، أو الملتقيات والمنتديات والجمعيات، وصولا إلى الصوالين الأدبية، إذ تعد الأخيرة أكثر ارتباطا بالمؤلفين والكتاب والمثقفين المخضرمين، وتوجه دعوات انعقادها إلى أسماء بعينها، في حين لا يحمل أعضاء أندية القراءة سوى لقب "قارئ".
ويعيد مثقفون تاريخ بدء إنشاء أندية القراءة حول العالم إلى عام 2000، إذ أصبحت دوائر ثقافية مؤثرة في عالم النقد وبيع الكتب، تحاول دور النشر استمالتهم وخطب ودهم، وباتت معارض الكتب تخصص لها أماكن مخصصة تعريفا بإنجازاتها وتسهيلا لانضمام أعضاء جدد إليها، ولمعرض الرياض الدولي للكتاب في هذا الصدد دعم معنوي يستحق الذكر، حينما استضاف مؤتمر أندية القراءة، الذي أقيم للمرة الأولى عام 2018، واستعرض تجارب مجموعة من الأندية وظروف تأسيسها، والإنجازات التي حققتها، والتحديات التي تواجهها، وخططها وطموحاتها المستقبلية، وأثر ذلك على الثقافة والمشهد ككل، كما مُنح نادي كتابي خلال حفل افتتاح المعرض تكريما خاصا من وزير الثقافة والإعلام الدكتور عواد العواد، كونها إحدى خمسة مبادرات ثقافية رائدة.

التجربة الإلكترونية
وتبقى تجربة الأندية والمنتديات الإلكترونية الخاصة بالقراءة من التجارب اللافتة، إذ انتقلت بالشباب إلى الفضاء السيبراني، وأصبحت بعض الصفحات على "فيسبوك" و"تويتر" و"انستغرام" تروج للكتب بطريقتها الخاصة، ومتابعوها يتجاوزون النصف مليون متابع، يقدمون من خلالها نصائح وترشيحات لأفضل الكتب، وتنشر مقاطع صوتية أو فيديو لآراء ومراجعات فكرية في كتاب محدد، فضلا عن كونها ساحة مفتوحة للنقاش حول الأعمال الأدبية والفكرية.
واستطاعت بعض المجموعات على فيسبوك من أن تتجاوز مفهوم القراءة التقليدي، وقدمت لأعضائها خصومات وعروضا ترويجية لدى مكتبات ودور نشر مختارة لشراء الكتب بأسعار تنافسية.
أما مجموعات أخرى فتمكنت من تأسيس ناد لتوفير الكتب بصيغة (PDF) بعد موافقة الكاتب ودار النشر، وهي صيغة إلكترونية لقراءة الكتب على الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية، ومن التجارب المميزة في هذا المجال، مبادرة "أيادي مضيئة"، التي يشارك بها أكثر من 100 متطوع ومتطوعة في مختلف مناطق المملكة، ويعملون عن بُعد لتحويل الكتب إلى صيغة ملائمة يستطيع الكفيف قراءتها، وقد حظيت هذه المبادرة بدعم ومباركة الدكتور عبدالله الغذامي، الذي منحها كتبه والداعم الأول لها، ليشكل ذلك دفعة معنوية وانطلاقة قوية لجمع عشرات الكتب والمؤلفات الأدبية والفكرية والأكاديمية على حد سواء.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون