تمكين المسؤولية الاجتماعية «2»

|

استكمالا لموضوع الأسبوع الماضي عن "تمكين المسؤولية الاجتماعية"، وهو الهدف الاستراتيجي الذي رسمته "رؤية المملكة 2030" ضمن الأهداف الطموحة للوطن، وقد تنوعت أهدافه الفرعية على المستوى الثاني لتشمل رفع مستوى تحمل المواطن للمسؤولية، وتمكين الشركات من المساهمة الاجتماعية، وتحفيز القطاع غير الربحي لتحقيق أثر أكبر في المجتمع. هذه الأهداف - كما بينت - وضحت أركان "المسؤولية الاجتماعية" كما يراد لها، فقد رسمت الإطار العام للمسؤولية الاجتماعية، والمكون من أفراد ومؤسسات تجارية ومنظمات غير هادفة إلى الربح، رغم أنها لم تتناول دور المؤسسات الحكومية، وهي ذات دور محفز في تطبيقات المسؤولية الاجتماعية.
من خلال قراءتي الأهداف في المستوى الثالث، أرى أنها جاءت بشكل خرج عن إطار المسؤولية الاجتماعية، إلى مفهوم قد يزيد من توسيع دائرة المفهوم العلمي؛ حيث تناول هدف "رفع مستوى تحمل المواطن للمسؤولية"، أهدافا فرعية شملت "تعزيز وتمكين التخطيط المالي، وتشجيع العمل التطوعي". وتناول الهدف "تمكين الشركات من المساهمة الاجتماعية" أهدافا فرعية كونت "تعزيز قيام الشركات بمسؤولياتها الاجتماعية، وتعزيز اهتمامها باستدامة الاقتصاد الوطني". وتناول الهدف "تمكين تحقيق أثر أكبر للقطاع غير الربحي" أهدافا شملت "دعم نمو القطاع غير الربحي، وتمكين المنظمات غير الربحية من تحقيق أثر أعمق بزيادة فرص الحصول على التمويل والمواهب والمعرفة، وغير ذلك -لم تحدد-".
من خلال مناقشة موضوع المسؤولية الاجتماعية مع بعض المتخصصين، أرى أن هذه الأهداف تحتاج إلى توضيح أكثر، وقد تُحدِث لبسا مفاهيميا يزيد من ضعف المسؤولية الاجتماعية في المملكة. وحتى لا نعيش هذا اللبس يجب أن تُعرَّف المسؤولية الاجتماعية، وتُحدَّد مجالات الاختصاص فيها. والهدف الرئيس "تمكين المسؤولية الاجتماعية" جاء كمظلة لعدة مفاهيم قد نتفق أو نختلف في ضمها إلى المفهوم ذاته. فالمسؤولية الاجتماعية - كما عرفتها في مقالات سابقة، واستنادا إلى منهجية كارول Carroll في تعريفه لها أيضا - تأتي من دوافع اقتصادية، بحيث تحقق الربح والازدهار لكل المستفيدين، وتأتي أيضا استجابة لوجود تشريعات وتنظيمات تحفز وتنظم الأدوار في المسؤولية الاجتماعية خصوصا للشركات، كما أنها التزام أخلاقي من المؤسسة والفرد تجاه المجتمع والبيئة المحيطة، وتغطي أيضا الأعمال الخيرية والتطوع لخدمة المجتمع.
فمن المهم إذن أن يتم تعريف المفهوم الخاص بالمسؤولية الاجتماعية، ولا يتم الخلط بين المفاهيم بما قد يضعف دورها. كما يجب أن تضطلع الجهات التشريعية بدورها في تحقيق هذا الهدف الرئيس بسن التشريعات الاسترشادية أو الملزمة لغرس هذا المفهوم وتعزيزه في المجتمع، وتحديد الجهات التي يحق لها أن تمارس الدورين، التوعوي والرقابي للمسؤولية الاجتماعية، ومن الواضح أن هذا المفهوم يغطي جوانب عديدة، منها الاقتصادية والتطوعية والفردية. ومن المستحسن توظيف المفاهيم المختلفة لكل قطاع؛ حتى تتحدد الصورة والإطار العام لممكنات المسؤولية الاجتماعية في قطاعاتها المختلفة.
في المجال الاقتصادي، وهنا أتحدث عن المسؤولية الاجتماعية للشركات، يتساءل الناس عن دور الشركات الكبرى في سوقنا ومقارنتها بمثيلاتها في الدول المتقدمة من حيث مساهمتها الاجتماعية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ولعل هذا يكون محور حديثنا في مقالات لاحقة، بإذن الله.

إنشرها