منافع الطاقة الإنتاجية الفائضة لـ «أوبك»

|
تحدثت ورقة لعدد من الباحثين في مركز الملك عبدالله للدراسات البترولية عن المنافع التي يجنيها العالم من الطاقة الإنتاجية النفطية الفائضة لدول منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك". ونشرت مجلة الطاقة التي تصدر عن الجمعية العالمية لاقتصاديات الطاقة الورقة المحكمة في نيسان (أبريل) 2018. قدرت الورقة منافع الاقتصاد العالمي من الطاقة الإنتاجية الفائضة لـ "أوبك" بنحو 200 مليار دولار، حيث تخفض مخاطر تقلبات أسعار النفط مولدة منافع هائلة للاقتصاد العالمي ولسكان العالم. تطمئن الطاقة الإنتاجية الفائضة الأسواق العالمية بسرعة توافر إمدادات نفطية إضافية خلال فترة وجيزة في حالة انقطاع أو انخفاض إنتاج الدول والحقول النفطية بسبب المتغيرات السياسية أو البيئية أو الاقتصادية. تخدم الاستثمارات في الطاقة الإنتاجية الفائضة الاقتصاد العالمي من خلال خفض حدة تقلبات أسعار النفط، ما يقلل تهافت المستهلكين على المعروض والتكاليف المالية المرافقة للتقلبات الحادة. يقود انخفاض تقلبات أسعار النفط إلى آثار إيجابية على الناتج المحلي العالمي مخفضا تكاليف الطاقة للمنتجين والمستهلكين وداعما للنمو. يمكن حساب منافع الطاقة الفائضة لإنتاج "أوبك" من خلال تقدير الفرق بين الناتج المحلي الإجمالي العالمي عند وجود الفائض والناتج المحلي دون الفائض الإنتاجي. وتتوقف خسائر ومكاسب الاقتصاد على حجم الطاقة الإنتاجية غير المستغلة وعلى مدد توقف الإنتاج وحجم هزة العرض. ستكون خسائر الاقتصاد العالمي محدودة إذا كانت هزة العرض صغيرة ولفترة وجيزة، لكنها قد تتجاوز تريليون دولار لو تراجعت الإمدادات النفطية بأربعة أو خمسة ملايين برميل يوميا لمدة عام كامل. تحتفظ "أوبك" بمعظم الطاقة الإنتاجية النفطية العالمية الفائضة أو غير المستغلة. وتلعب هذه الطاقة الدور الأساس في تخفيف مخاطر تراجع وانقطاع الإمدادات الناتج عند الأزمات والصراعات السياسية أو الكوارث الطبيعية أوالحوادث غير الطبيعية وإغلاق الموانئ أو المقاطعة الاقتصادية. من جانب آخر، يتأثر الطلب على النفط بتطورات الاقتصاد العالمي، حيث يرتفع بسرعة تفوق الإمدادات في حالة تسارع النمو الاقتصادي العالمي أو في الدول الكبرى المستهلكة للنفط، ما يرفع الأسعار بوتيرة سريعة. ويحد وجود الطاقة الإنتاجية الفائضة من رغبة المضاربين والمستهلكين في تخزين كميات أكبر لمواجهة نقص الإمدادات، ما يسهم في خفض حدة اضطرابات الأسعار. تثبت الأحداث التاريخية المنافع الكبيرة من توافر الطاقة الإنتاجية الفائضة في الأزمات التي من أبرزها الحرب الإيرانية - العراقية وتراجع إمدادات النفط الليبي في عام 2011 والاضطرابات في نيجيريا. وصل حجم طاقة "أوبك" الإنتاجية غير المستغلة إلى نحو 3.4 مليون برميل في أيار (مايو) 2018. توفر المملكة مع أخواتها في دول مجلس التعاون معظم طاقة "أوبك" الفائضة، وتحظى المملكة بحصة الأسد من طاقة "أوبك" الإنتاجية الفائضة، حيث بلغ متوسط نصيبها منذ بداية الألفية نحو 70 في المائة. وقد ساعدت طاقة "أوبك" الفائضة في التصدي للتقلبات الحادة لأسعار النفط، حيث تقدر الورقة بمساهمتها في خفض اضطرابات أسعار النفط بنحو النصف. يمكن لعدة عوامل أخرى التأثير في الأسعار وتقلباتها، ومن ضمن تلك العوامل، المخزون الخاص والاستراتيجي النفطي للدول المستوردة، لكن هذه الدول تتجنب استخدام المخزون الاستراتيجي للتأثير في الأسعار، كما تقل جدوى استخدامات المخزونات الخاصة لضعف تأثير الشركات الخاصة منفردة على الإمدادات وتجريم أنظمة مكافحة الاحتكار لتعاضد الشركات الخاصة في التأثير في الأسعار. تشير الورقة أيضا إلى مساهمة النفط الصخري في خفض حوافز الاستثمار في الطاقة الإنتاجية الفائضة. ويسهم النفط الصخري في تلبية جزء من نقص الإمدادات الطارئة، إلا أنه لا يستطيع وحده تلبية الاحتياجات في الوقت والحجم المناسبين بسبب العوائق المحيطة بصناعته، لهذا، ستستمر حاجة العالم إلى الطاقة الإنتاجية لـ "أوبك" للتصدي للتقلبات الحادة عند شح الإمدادات. تدحض الورقة فكرة استغلال المملكة والدول المالكة فوائض الإنتاج في أوقات الأزمات لزيادة إيراداتها وصادراتها، حيث تقود المرونة المنخفضة للطلب - خصوصا في الأمد القصير - إلى تراجع إيرادات المبيعات النفطية عند زيادة الإنتاج. ولو كانت هذه الدول تسعى لتعظيم دخلها، لخفضت الإنتاج وعمقت من أزمات شح الإمدادات وحققت إيرادات أكثر. لم تتطرق الورقة لتكاليف الحفاظ على الطاقة الإنتاجية الفائضة التي تتحملها المملكة والدول الأخرى، حيث تتطلب الطاقة الفائضة والحفاظ عليها استثمارات ضخمة يمكن استرداد جزء منها عند ارتفاع الأسعار. وتتحمل المملكة والدول الخليجية الأخرى تكاليف توفير الطاقة الفائضة لطمأنة الأسواق والحفاظ على استقرار الأسواق النفطية لخفض خسائر الاقتصاد العالمي من هزات العرض والطلب على هذه المادة الحيوية. كما يمكن استغلال الطاقة الفائضة في حالة تعطل إنتاج أحد أو بعض الحقول النفطية في هذه البلدان لأغراض الصيانة أو لأي أسباب أخرى، ما يوفر الثقة بقدرة هذه الدول على الوفاء بالتزاماتها تجاه المستهلكين والعالم الخارجي. تبرز الورقة بشكل علمي ورصين ولأول مرة دور الطاقة الإنتاجية الفائضة للمملكة ومنظمة "أوبك" في دعم استقرار أسواق النفط العالمية، ما يساعد على دحض الافتراءات التي تتعرض لها المملكة والمنظمة في السياسات النفطية. تساعد الورقة على إيضاح دور المملكة وثقلها الاستراتيجي وأهميتها للاقتصاد العالمي.
إنشرها