إطفاء العتمة

|
مازلت أذكر عندما رفض مديري قبل عدة سنوات حصول أحد الزملاء على إجازته السنوية. تذرع بأنه لا أحد يستطيع القيام بمهامه كما يفعل. حاول زميلي إقناع مديرنا بالسماح له على الأقل بأسبوعين وليس شهرا لكن المدير رفض بشدة. نعلم أن الأنظمة واللوائح ستنصف زميلي وتسمح له بالتمتع بالإجازة لكنه كان يخشى الشرخ الذي سيحدثه الحصول على الإجازة دون رضاه. بعد وساطات وشفاعات رضخ مديرنا للأمر الواقع وسمح له بإجازة لأسبوعين. واستعان المدير بموظف شاب مبتدئ للقيام بالمهام التي كانت توكل لزميلي. كان أداؤه بطيئا ومتذبذبا في الأسبوع الأول. لكن بعد أسبوع فقط سرعان ما انطلق الموظف اليافع كالبرق. يقوم بكل التكليفات الإدارية بسلاسة وشغف. كان ينهي المتطلبات بسرعة قياسية وكفاءة عالية أثارت دهشة المدير وشكوكه أيضا. لا أنسى عندما قال له وهو يقف خلفه أمام شاشة جهازه: "هل بالإمكان أن تقوم بهذه المهمة أمامي؟". كان وقع السؤال كالصاعقة على الشاب. ففي باطنه كثير من عدم الثقة. بيد أنه تماسك ولملم شتات قلقه وأخذ يقوم بالمهمة أمامه بكل إتقان وسرعة. بعد هذا الموقف بيومين أرسل المدير رسالة إلى زميلي وهو يتمتع بإجازته كتب فيها "تقديرا لعطائك وإخلاصك في العمل استمتع بأسبوعين آخرين كإجازة. اكتشفت أنني ضغطت عليك بشكل غير مناسب". غير هذا الموقف قناعات مديري السابق في كل الزملاء. لم يعد تقديره العملي محتكرا على فئة قليلة حوله. بات يتيح فرصة أكبر لتجربة واختبار مزيد من الزملاء. أسهمت هذه الاختبارات في بروز أسماء جديدة حسنت الأداء ووزعت المجهود على عدد أكبر. أسهمت في قفزة على مستوى النتائج والمعنويات. ما حدث مع مديري يحدث معنا جميعا. نعتقد أن غياب شخص معين من حياتنا سيجعلها أسوأ. نتمسك به بطريقة متطرفة تجعله يبتزنا أو نسيء إليه. نخشى مغادرة البعض حياتنا، في حين قد تكون الحياة أجمل بكثير دونهم. فوجودهم ربما يحرمنا ضوءا لا نراه. علينا إطفاء العتمة التي تستفحل إثر الخوف من غيابهم. ومحاولة العيش دائما بهم وغيرهم. تحرر يا صديقي من قيد الأشخاص. كن ملكك. واصنع خياراتك. تعلمت من هذه الحياة أن غياب بعض الأشخاص الذي نعتقد أنهم عظماء في حياتنا قد يساعدنا على اكتشاف أعظم منهم.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها