حرارة الكعك

|

التقيت قبل يومين شابا مليئا بالحيوية والحماس والطموح. عندما ينطلق متحدثا لا تود أن يتوقف. يتكلم من قلبه بتدفق وحب. لا يتحدث بلسانه فحسب، بل بأطرافه. كل حواسه وأحاسيسه تشاركه الحديث. تخرج قبل عامين من الجامعة. بمعدل عال وعلاقات واسعة. جمع الحسنيين، العلم والعلاقات. رغم حداثة تخرجه إلا أنه قام بكل شيء. تطوع مع أكثر من 30 جهة. يعرف القاصي والداني. جمعته مواقف مع الجميع. لم أسأله عن أحد إلا وعرفه وسرد موقفا معه. يحمل تجارب عظيمة وخبرات لافتة. لم يكتف بهذا السحر في حديثه وتجربته فهو متمسك بابتسامة لم تغرب عن وجهه. لقد حافظ عليها طوال اللقاء الذي امتد إلى ساعة. من ينعم بلقاء مع هذا الشاب الملهم يرجو أن يحظى بحياة تشبه التي يعيشها عطفا على هذه الإشراقة التي تكسوه والابتسامة التي يتحلى ويتجلى بها. لكن صدمت وأنا أتحاور معه بالتعرف على معاناة أربعة من إخوته المصابين بأمراض مزمنة جعلتهم يعتمدون عليه بعد الله اعتمادا كليا. فهو الذي يشرف على مراجعتهم للمستشفيات ويعمل على تطوير مهاراتهم وقدراتهم المختلفة نظرا لتقدم والديه في السن.
رغم انتقالنا إلى الحديث عن معاناة إخوته لم تنطفئ ابتسامته، فقد رافقته وهو يتحدث عنهم بفخر وهو يراهم يتقدمون علميا رغم ظروفهم الصعبة.
آمنت بعد هذا اللقاء أكثر بأن التحديات تصنع منا شخصيات أجمل وأفضل وأقوى. كلما زادت العراقيل زاد الإصرار.
إذا أعجبتك شخصية جميلة في طرحها وعطائها تأكدت أنها مرت بظروف صعبة وعسيرة وممضة أدت إلى هذه الدهشة والجاذبية.
الكعك اللذيذ لا يأتي إلا بعد أن يتذوق الحرارة. والذهب لا يلمع إلا بعد رحلة مضنية وقاسية.
المعاناة ليست حالكة كما نتصور. هي بداية لأشياء جميلة يخبئها الله لك ولنا.
لا توهمك ابتسامة أحد بأنه يعيش حياة أجمل من حياتك. ربما يعيش حياة أصعب. فأكثر من يتقن الابتسامة هو من تجرع المرارة. جعلته التحديات أكثر إجادة في رسم الفرح فهم أكثر إدراكا من غيرهم بأهمية ارتداء الابتسامة التي تمنحهم سكينة ومسكنا يهدئهم ويسعدهم.

إنشرها