تمكين المسؤولية الاجتماعية

|

جاءت أهداف "رؤية المملكة 2030" في ثلاثة محاور، تشمل مجتمعا حيويا ذا اقتصاد مزدهر، ووطنا طموحا، وتضمن المحور الثالث في أهدافه الاستراتيجية موضوع تمكين المسؤولية الاجتماعية، موضوعنا في هذا المقال. واشتمل على تسعة أهداف في المستويين الثاني والثالث. وبينت الأهداف الثلاثة بالمستوى الثاني أركان المسؤولية الاجتماعية المذكورة بالهدف الاستراتيجي، وتتضمن رفع مستوى تحمل المواطن للمسؤولية، وتمكين الشركات من المساهمة الاجتماعية، وتحفيز القطاع غير الربحي لتحقيق أثر أكبر في المجتمع، من حيث إيضاح أركان المسؤولية الاجتماعية، فهذه الأهداف وضعت الإطار العام للمسؤولية الاجتماعية، الذي يتشكل من أفراد ومؤسسات تجارية ومنظمات غير هادفة للربح، وإن كنت أرى أنها لم تتناول المؤسسات الحكومية، وهي التي حملت العبء الكبير طيلة الأعوام الماضية في دعم وتنفيذ عديد من البرامج المجتمعية.
في عام 1991، خلُصت دراسة للباحث Carroll لوصف المسؤولية الاجتماعية للشركات CSR في هرم من أربع طبقات، تقوم في قاعدتها على الهدف الاقتصادي؛ حيث إن أي عمل يقدم من فرد أو مؤسسة يهدف إلى تحقيق عائد لمن قام به، ثم في الدرجة الثانية تأتي أنشطة المسؤولية الاجتماعية استجابة إلزامية أو تطوعية للأنظمة والتشريعات القانونية الملزمة للنشاط أو الأعراف التي تكون بمنزلة القانون، ثم تجيء بعد ذلك المسؤولية الأخلاقية نحو المجتمع ومكوناته من طبيعة وبيئة ومخلوقات. ويأتي في أعلى هرم المسؤولية الاجتماعية التطوع لخدمة المجتمع والمستفيدين.
التراث الإسلامي مليء بما يدعم مفاهيم المسؤولية الاجتماعية للإنسان، وللأهداف التجارية والدول. فخلق الإنسان واستخلافه في الأرض لإعمارها مسؤولية اجتماعية، والقيم الإنسانية والإسلامية مثل الرحمة والعدل والبر هي أيضا مسؤولية اجتماعية، وجوب الزكاة والتصرف فيها من قبل الحاكم لإنفاقها على الفقراء يعد مسؤولية اجتماعية، قيام التاجر بتوفير المنتج النافع، ومحاربة الغلاء والغش، ومساعدته على إيجاد وظائف للمجتمع يعد من المسؤولية الاجتماعية. إذن؛ فالمسؤولية الاجتماعية جزء من الأخلاقيات الإنسانية التي يجب أن نحافظ عليها وننشرها.
السؤال هنا هو: ما الذي نهدف إليه من خلال تمكين المسؤولية الاجتماعية في "رؤية 2030"؟ وقد عرفت ذلك أهداف «الـرؤية» في مستواها الثالث، التي شملت تعزيز قيام الشركات بمسؤوليتها الاجتماعية، والاهتمام باستدامة الاقتصاد الوطني، وتشجيع العمل التطوعي للأفراد، دعم وتحفيز القطاع غير الربحي للنمو والتوسع، والتركيز على تعظيم الأثر للأعمال في تلك المنظمات.
إذن؛ الهدف الاستراتيجي "تمكين المسؤولية الاجتماعية" جاء جامعا لمستويات المسؤولية الاجتماعية الهرمية الأعلى، التي تشمل المسؤولية الأخلاقية والمسؤولية الخيرية، مع الإشارة إلى المسؤولية الاجتماعية للشركات CSR، لكن حتى تتحقق يجب أن يتم العمل على تحديث الأنظمة والتشريعات، واستحداث ما يلزم منها لصبغ المسؤولية الاجتماعية بصبغة قانونية تحقق الأثر المراد منها، ولا يخفى في هذا الوضع أن للمناهج التعليمية وأصحاب القدوة والدعاة دورا كبيرا في غرس ثقافة المسؤولية الاجتماعية من الفرد لتصل إلى الجماعة والمجتمع؛ لتعزز الدور الأخلاقي لهذا المفهوم، وتساعد على تحقيق أهداف «الرؤية» وأهداف الاستدامة العالمية.

إنشرها