سياسات مجموعة العشرين أمام تحديات وفرص «2 من 2»

|
لا تزال معظم الضغوط مقصورة على بضعة بلدان حتى الآن ولا وجه لمقارنة مستوى انتشارها بما حدث أثناء موجة الاضطرابات الحادة المصاحبة لإعلان عودة الولايات المتحدة للسياسة النقدية العادية في عام 2013. غير أن أسعار الفائدة الأمريكية تواصل ارتفاعها وهناك خطر أن يزداد عدد البلدان التي تواجه ضغوطا أكبر. فما الذي يمكن أن تفعله الأسواق الصاعدة؟ يمكنها استخدام كل الأدوات المتاحة لها. ـ فينبغي أن تظل أسعار الصرف مرنة وأن تعمل كأداة لامتصاص الصدمات حتى تساعد البلدان على التغلب على مشكلة خروج أموال المستثمرين. ـ وينبغي التنسيق بين الأجهزة التنظيمية للحيلولة دون أن يتحول النمو الائتماني المفرط إلى أزمة أخرى، وهو ما يشمل التأكد من سيولة الأسواق المالية. ـ ومع ارتفاع مستويات الدين في كثير من البلدان، ينبغي استخدام سياسة المالية العامة للحفاظ على هوامش الأمان وإعادة بنائها حيثما اقتضت الحاجة. وسيواصل الصندوق تقديم الإرشاد اللازم في هذا المجال، ونحن ملتزمون ببذل أقصى ما نستطيع لمساعدة بلداننا الأعضاء على تقوية اقتصاداتها وتعزيز صلابتها في مواجهة التيارات المعاكسة. تأثير التكنولوجيا في الوظائف حتى ونحن نواجه مخاطر آنية على الاقتصاد العالمي، لا يسعنا إغفال التحديات طويلة الأجل. ومن هذه التحديات أثر التكنولوجيا في الوظائف. فكل مظاهر التقدم في الذكاء الاصطناعي والتشغيل الآلي تعد برفع الإنتاجية وزيادة النمو. ـ ولكن ما الذي يحدث بعد ذلك؟ مع فقدان العاملين وظائفهم، يمكن أن يتفاقم عدم المساواة ومن ثم يزداد تفكك النسيج الاجتماعي. والخطوة الأولى لحل هذه المشكلة هي فهم حجمها. ومن هنا توضح دراستنا الجديدة المقدمة لمجموعة العشرين حول مستقبل العمل في هذا الصدد أن كثيرا من البلدان ليست لديها صورة دقيقة عن التغيير الذي تحدثه التكنولوجيا في القوى العاملة. فإحصاءات سوق العمل يعوقها الافتقار إلى معلومات عن نطاق "اقتصاد العربة". وفي الوقت نفسه، كثيرا ما تغفل تقديراتنا للإنتاجية ـ أي القيمة التي يضيفها عملنا للاقتصاد ـ ما تحققه التكنولوجيا من تعزيز للكفاءة. انظر مثلا إلى ساعتك الرقمية. إن كلمة ساعة لا تعبر عن قيمتها الكاملة. ففي عام 2018، تستطيع ساعتك أن تكون أيضا هاتفا خلويا ودار عرض سينمائي وأداة لتحديد المواقع وجهاز كمبيوتر فائق السرعة. وإحصاءاتنا تغفل عن هذه الحقيقة في بعض الأحيان. ولا شك أن تحسين المقاييس ما هو إلا جزء من الصورة. فأي بيانات جديدة ستضيع سدى ما لم تكن هناك إجراءات جريئة تساعد المواطنين على التعامل مع عواقب التحول إلى التشغيل الآلي والاضطرابات التي تصاحب التكنولوجيات الجديدة. وتتضمن هذه الإجراءات تحديث شبكات الأمان الاجتماعي، وإصلاح نظم التعليم لإتاحة التعلم مدى الحياة، والالتزام باستثمارات كبرى في البنية التحتية الرقمية. وتعد سنغافورة، التي تشارك هذا العام في مجموعة العشرين، مثالا جيدا في هذا الصدد، فعلى مدار العقد الماضي، جعلت سنغافورة البنية التحتية أولوية وهي تمتلك اليوم البنية التحتية الرقمية الأكثر تقدما بين بلدان العالم. ولا شك أن كل بلد لديه ثغرات مختلفة يتعين سدها، لكن شيئا واحدا يبدو واضحا بالنسبة للجميع ـ لقد حان وقت الاستعداد للاضطرابات التي ستحدثها التكنولوجيا والتي ستتسارع في السنوات المقبلة. وأعتقد أن بإمكاننا التعامل مع كل التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي ـ بل تحويلها إلى مزايا ـ شريطة أن ندرك أن لحظة النمو هذه لن تستمر إلى الأبد. فكل يوم ينحسر المد ويكشف عن حافة الشاطئ. والسؤال المطروح أمام أعضاء مجموعة العشرين هو ما الذي سيختارون بناءه على امتداد الشاطئ. هل هو نظام هش قابل للتأثر بالعواصف، أم ركيزة اقتصادية راسخة يمكن التعويل عليها كأساس وطيد؟ لقد دأبت بلدان مجموعة العشرين على تبني الخيار الثاني طوال الوقت منذ الأزمة المالية العالمية التي مضى عليها قرابة عشر سنوات، وبذلك أحدثت فرقا إيجابيا في حياة مليارات البشر حول العالم. وأثق أن وزراء المالية سيظلون على هذا المسار في الأيام المقبلة لتحقيق الاستفادة القصوى من الفرصة السانحة لهم في بيونس آيرس.
إنشرها