المشراق

العقال والشماغ ..زينة الرأس وجدل التاريخ

قبل عقود من السنين دار نقاش بين عدد من كبار أدباء العربية حول تاريخ الشماغ أو الكوفية والعقال، ومنهم الأب أنستاس الكرملي، وشيخ العروبة أحمد زكي باشا، وعلي الجارم، وأحمد العوامري، وأحمد الإسكندري، وغيرهم. وكان لأنستاس الكرملي رأي مخالف لهم، إذ يرى أن الشماغ والعقال معروفان عند العرب منذ الجاهلية، بينما يرون هم أنها طارئة على لباس العرب في القرون الثلاثة الأخيرة. ثم نشر الكرملي مقالة مطولة بعنوان "الكوفية والعقال: مقال بكر في موضوع قديم جديد"، أورد فيها الأدلة التي تؤيد صحة كلامه، ونشرها في مجلة "المقتطف" عام 1360هـ/ 1941. ولأهمية هذا الموضوع الذي يتعلق بلباس يلبسه الذكور في كثير من البلاد العربية، فسنلخص بعض ما ورد في مقالته.

الكوفية والعقال "وهما":
الصماد والعصابة
بين الأدباء المعاصرين، والمؤرخين، والباحثين، مطارحات ومطالعات، ومجادلات لا تحصى تتعلق بالكوفية والعقال، ووجودهما عند العرب في سابق العهد. وقد ذهب أغلب هؤلاء الأفاضل إلى أن وجودهما لا يتجاوز ثلاثة قرون في أبعد تقدير، وألفى بعضهم هذه المدة طويلة، فقدرها بـ 200 عام في الأكثر. وجرى حديث طويل بيني وبين أحمد زكي باشا ـــ رحمه الله ـــ، في حزيران (يونيو) عام 1921، فكان يؤكد أن 300 عام هي أبعد مدة يمكن أن تقدر بوجودهما عند الأعراب. ثم استفاض حديث آخر بيني وبين الشيخ أحمد الإسكندري ـــ رحمه الله ـــ، وطائفة من أصفياء مجمع فؤاد الأول للغة العربية كعلي بك الجارم وأحمد بك العوامري وغيرهما، ومحصل كلامهم لا يخرج عن هذه الفكرة. ومن العبث ذكر تفاصيل هذا الحديث الذي جرى في عام 1937. وأما رأيي فقد كان دائما مخالفا لآراء هؤلاء المحققين والأدباء المؤرخين، إذ كنت أقول إن الكوفية والعقال، هما من ملابس الرأس عند العرب، وكانا معروفين عندهم منذ أقدم الأزمنة، أي قبل الإسلام وبعده، إلى عهدنا هذا. وليس الاسم هو المهم في هذا الموضوع، إنما المهم الشيء نفسه ووجوده بين جمهور الناس، إذ الأسماء تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والقبائل، كما هو الأمر في أسامي أشياء كثيرة كالأسد، والجمل، والناقة، والخمر، والسيف، إلى ما لا يعد ولا يحد من الأعيان والجواهر. ومثل هذا الأمر يجري في جميع لغات الدنيا.

الكوفية والعقال
لا شبهة في أن العقال كان معروفا في فلسطين قبل المسيح بنحو 900 عام. والشاهد على ذلك ما ورد في سفر الملوك الثالث، النص هو: "فقال له عبيده: إنا سمعنا أن ملوك آل إسرائيل هم ملوك رحمة. فلنشدد الآن مسوحا على متوننا ونجعل حبالا على رؤوسنا ونخرج إلى ملك إسرائيل لعله يستبقي نفسك. فشدوا مسوحا على متونهم، وحبالا على رؤوسهم. وجاؤوا ملك إسرائيل". ويضيف الكرملي قائلا: "فهذا نص صريح، ذكر فيه لأول مرة في التاريخ استعمال "الحبال" أو العقل مشدودة على الرؤوس. وكان ذلك في عهد بنهدد، الذي ملك على الأرميين من عام 917 إلى عام 885 قبل المسيح. ولا جرم أن المراد بالحبال هنا، ما سماها العرب بعد ذلك بالعقل، جمع عقال، أو بأسماء أخر. ومعلوم أيضا، أن الأرميين أو الآراميين كانوا في أيام بنهدد، قوما رحلا كأهل بادية العرب، فكانت عاداتهم، وأخلاقهم، وآدابهم، كعادات الأعراب، وأخلاقهم، وآدابهم. وكذا قل على أكلهم، وشريهم، ولبسهم، وحلهم، وترحالهم، وإقامتهم، فهذا كله كان متشابها بين القومين، لأن الطبيعة كانت تدفعهم إلى اتخاذ تلك الأمور جميعها، بصورة واحدة.

الرسومات والنقوش القديمة
ومما استشهد به الكرملي على وجود العقال قبل الإسلام بقرون وجود رسومات ونقوش قديمة فيها رجال يلبسون العقال، إذ يقول: "وقد ظهر في الآثار التي وجدت في ديارنا العراقية تصاوير وتماثيل منها بالعقال وحده ومنها بالصماد أو الكوفية وحدها، ومنها بالكوفية المثبتة على الرأس بالعقال. وعلى من يشك في صحة كلامنا، أن يزور دار هذه التحف أو ما يشابهها في دور التحف الغربية كباريس، ولندن وبرلين وغيرها، أو أن يراجع بعض الكتب المصورة التاريخية الجامعة لمثل هذه النفائس الأثرية التي تبحث عن العراق، أو الشام، أو فلسطين، ففيها ما يغني عما يود أن يشاهده في البلاد نفسها، إذ يرى بعيني رأسه تماثيل من عهد حموراب، أي منذ زهاء خمسة آلاف سنة وعلى رؤوسها العقل والكوفيات أو العصائب والصمد، أو أحد الاثنين دون الآخر". ثم بعث الكرملي رسالة إلى أمير البيان شكيب أرسلان يسأله عما يعرف من أمر الكوفية والعقال، فأجابه شكيب عام 1937 قائلا: "ولقد كنت كتبت إلي سائلا عما إذا كان عندي معلومات عن لبس العقال، ومتى بدأ، وأين بدأ. وكنت أنقب عن هذه المسألة الجليلة، وأسأل أهل الذكر، وما حظيت عنها بطائل. غير أنه أخبرني أناس زاروا تدمر، فوجدوا فيها نقوشا وتماثيل من جملتها رجال على رؤوسهم الكوفيات والعقل، فهذه التماثيل هي من قبل الإسلام بدون شك، ومنها نعلم أن العقال في جزيرة العرب وما جاورها زي قديم ربما يرجع إلى آلاف من السنين".
ويعقب الكرملي مؤيدا كلامه، ويشير إلى مجموعة من الرسومات والنقوش التي تظهر رجالا لابسين عصابة أو عقالا.

الكوفية بعد الإسلام
يقول الكرملي: أما بعد الإسلام فلا جرم أن الكوفية كانت موجودة بغير هذا الاسم، وكذلك العقال فإن هذا الاسم محدث وقد أخذ من المشابهة التي ترى بينه وبين عقال البعير. وأقدم نص عثرنا عليه يذكر الكوفية هو ما جاء في كتاب «رسوم دار الخلافة» لأبي الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابئ "المتوفى عام 448 هـ في صفحة 131 من النسخة الخطية الأصلية" وهذا هو نصها:"لما خلع الطائع، ـــ رحمة الله عليه ـــ، على عضد الدولة ولقبه تاج الملة، حمل إليه في اليوم الثالث قلنسوة وشي مذهب، مجالسية، وفرجية وشي، وكوفية مثقلة"، وذلك في نحو عام 355 هـ 965 . إذن قد مضى على هذه التسمية نحو من ألف سنة ومن البديهي أن الكلمة لم توضع في تلك السنة، بل لا بد من أنه مضى عليها ما يقارب 50 عاما حتى تشيع بين الناس وربما أكثر من ذلك. ثم يورد الكرملي نصا آخر عن الكوفية ورد في كتاب "عيون الأنباء"، ويعلق قائلا: ومعلوم أن الكوفية تحتاج إلى عقال أو نحوه لتثبت على الرأس، ولذلك كان لا بد من العقال كلما ذكرت الكوفية وإن لم يذكر بواضح العبارة. ثم يذكر أن اسم الكوفية قبل الإسلام هي الصماد، وأن اسم العقال هو العصابة، وأن لهما مرادفات، ويورد نصوصا عديدة في ذلك.

عقال العربيات يسمى النوفلية
يذكر الكرملي أن العربيات يلبسن عقالا يسمى النوفلية، ويقول: جاء في تاج العروس: "النوفلية: شيء من صوف يكون في غلظ أقل من الساعد، ثم يحشى ويعطف ثم تختمر عليه نساء العرب. نقله الأزهري". فيؤخذ من هذا الشرح أن النوفلية شيء يشبه عقال الرجال إلا أنه متين ومحشو صوفا لكي لا يثقل على الرأس. وقد كنت كتبت في عام 1938 رسالة من القاهرة إلى الجليل عبد الله مخلص في القدس ليسأل الشيخ كاظم الدجيلي قنصل العراق هناك وهو من الواقفين أتم الوقوف على آداب وأخلاق الأعراب وأهل البادية عما يعرف عن العقال الذي تتخذه بدويات العراق، فأجابني المخلص بما يأتي: «… وقد زرته وحدثته بما أردت وسألته عن العقال الذي تلبسه نساء البدو في العراق، فذكر لي ما أدونه لكم باختصار: "نساء شمر، وعنزة، والضفير، وربما بعض نساء زوبع يشددن على رؤوسهن العقال، وطوله نحو ثلاثة أمتار، حيث يلف على الرأس ثلاث أو أربع لفات، وفي طرفيه عثكولان يتدليان من الخلف، وفي وسط الرأس عقدة، أو ما يسمونه ضبة". وهو كما ترى من نوع العقال الذي يستعمله الرجال، إلا أن لفات أو طيات العقال الذي تستعمله نساء العراق أكثر. وعلى ذكر العقال، أقول لكم إن العرب في فلسطين مسلمهم ونصرانيهم قد لبسوا العقال، ونبذوا الطربوش، وتراني الآن أضع على رأسي كوفية بيضاء، وعقالا أسود من المرعزي كأعرابي من البادية».
وحضر الشيخ كاظم الدجيلي في بغداد وكنت أيضا أنا فيها في نحو أواخر أيلول (سبتمبر) من عام 1938 فقال لي بحضور جميع الأدباء الذين كانوا مجتمعين في مجلسنا يومئذ، ما هذا روايته: «العربيات اللواتي يتخذن ضربا من العقال، أي النوفلية، هن عربيات الصائح، وعنزة، وشمر، والضفير، وقد قل الآن استعمالهن له، وبقي محصورا في نساء الشيوخ، والوجيهات من سائر الأعرابيات». وكنت سألت مثل هذا السؤال الدكتور مصطفى جواد وهو في باريس، فكان جوابه ما أرويه بحروفه: «إن الذي رأيتموه على رؤوس البدويات نوعان: نوع من جنس العقال الذي يتخذه الرجال، ونوع يسمى جعجة أي كعكة، تتخذه النساء الربعيات، أي المعيديات، تهوينا لثقل ما يحملن على رؤوسهن من قصاع اللبن والرائب. وكلاهما مألوف معروف. فأما العقال فعند أكثر البدويات الرواحل. وأما الكعكة فهي شيء اضطرت الحاجة إليه، فلا يدخل في أبواب العقال. فالعقال هو الرفيع. والجعجة ثخينة».
ثم يعقب الكرملي: فيؤخذ من هذا كله أن العقال، أو ضربا منه، معروف إلى اليوم عند البدويات، على حد ما كان معروفا في سابق العهد، إلا أنه آخذ بالزوال شيئا بعد شيء وفي جميع بلاد الشرق الأدنى التي فيها بادية. وقد ذكر بركاردت "يقصد المستشرق السويسري بوركهارت" أن نساء أعراب الرولة يتعممن بعمائم من حرير أسود، طول الواحدة ذراعان مربعتان ويسمونها "شال خاص" وتعمل في دمشق، وكثيرا ما تزين بخيوط من ذهب أو فضة». ثم يتحدث في نهاية بحثه عن اختلاف أسماء الكوفية باختلاف البلاد والأزمان، وعن اختلاف أسماء العقال باختلاف البلدان العربية. ويقول في ذلك: وأهل نجد يسمون اليوم الكوفية الحمراء "محرمة" وحركة الميم والراء بين الفتح والكسر. وإذا كانت بيضاء فيسمونها "غترة" بضم الغين، أو بحركة بين الكسر والفتح، وتكون من القطن. والعراقيون من أهل البادية يسمون الكوفية "الحلالية" بتحريك الحاء واللام وكسر اللام الثانية وتشديد الياء. وهذا إذا كانت من قطن. أما إذا كانت من قز فيسمونها "قزية" ويلفظونها "جزية" بفتح الأول وتشديد الثاني المكسور تليها ياء مشددة مفتوحة. والقز ضرب من الابريسم أو الحرير، إلا أنه دون الحرير حسنا.
ومن أسماء الكوفية عند أهل نجد "الدسمال" أو "الدسمالة" بدال مفتوحة وبعضهم يكسرها. وهم يخصون بذلك الكوفية الحمراء الخالية من كل نقشٍ بارز وهي غير الشماغ أو اليشماغ وغير الشال وغير الغترة وربما كان الدسمال مخططا أحمر وأصفر، ويجمعونها على دساميل.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق