كفاءة الإنفاق السعودي .. والجودة العالمية

|

حصدت السعودية المركز السابع عالميا في مؤشر "كفاءة الإنفاق الحكومي"، وهذه المؤشرات العالمية مهمة جدا لعدة أسباب، أولها الاستقلالية الكبيرة التي تتمتع بها هذه المؤسسات غير الربحية، وثانيها المصداقية العالمية التي حظيت بها نظرا لمنهجيتها الموضوعية في التقييم وهذا ثالثا، لهذا فإن أي مؤشر يصدر عنها تتم العناية به من كل وسائل الإعلام العالمية، وظهور المملكة في هذا المؤشر ومن ضمن المراكز المتقدمة فيه بعد أن تقدمت من المركز الـ 12، له معان مهمة، أهمها نجاح برنامج الشفافية الحكومية الذي انتهجته المملكة، خاصة مع المالية العامة منذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان مقاليد الحكم، فالمملكة قفزت في هذا المؤشر عدة مرات؛ بسبب نهج الشفافية هذا، الذي قدم للعالم معلومات صادقة وموضوعية وعالية الدقة وفي الوقت المناسب عن أداء المالية العامة، وهو ما لم يكن متاحا من قبل، وأثَّر بشكل واسع - فيما سبق - في نظرة الاقتصاديين في العالم على الوضع المالي للمملكة حتى أتت بعض التقييمات من مؤسسات تصنيف العالمية خاطئة، وقد سبق لـ"الاقتصادية" التعليق على ذلك في حينه. فعندما يأتي مؤشر عالمي ومستقل في تقرير التنافسية العالمي 2018 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس" في سويسرا بهذا المؤشر، وهذا المركز المتقدم للمملكة فيه، فإن التحليلات الاقتصادية عن المملكة في كل دول العالم ستتحسن بشكل كبير، وأيضا ستكون للمعلومات المالية الصادرة عن المؤسسات الحكومية في المملكة مصداقية كبيرة، ما يعزز كثيرا من الخطط والمبادرات، ومن ذلك جذب الاستثمارات الأجنبية الكبرى، والمشاركة الاقتصادية الواسعة.
وبعيدا عن قضية المؤشرات وأهميتها، فإن كفاءة الإنفاق الحكومي في المملكة تمثل تحديا كبيرا في دولة نفطية تعتمد اعتمادا كبيرا على هذا المصدر لتمويل المالية العامة، فالعلاقة بين الموظف العام وإنتاجيته وما يحصل عليه من دخل غير مرتبطة ارتباطا وثيقا يمكن فعلا من تقييم الأداء والعائد، وأيضا العلاقة غير واضحة بين المشروعات الحكومية وقيمتها والإنفاق عليها وصيانتها، وبين العوائد التي تتحقق منها للمجتمع والاقتصاد، وهذا تسبب في كثير من الهدر على مشروعات غير ذات جدوى، أو مشروعات تمت المبالغة في تقييمها، أو خلاف ذلك من أشكال الهدر. ولهذا فإن العودة إلى مستويات عالية من الكفاءة تمثل تحديا؛ لأن الكفاءة لا تتحقق إلا إذا تم الربط بين الموارد المستخدمة في إنجاز عمل معين، وبين العوائد والنواتج والأهداف التي تحققت من ذلك. فإذا كانت الموارد المستخدمة تفوق وبمراحل عدة كل الأهداف والعوائد الناتجة، فإن إنفاق تلك الموارد يعد هدرا، والهدر يعد نقصا في كفاءة الإنفاق، وكفاءة استخدام الموارد. لهذا، فإن إصلاح خلل الكفاءة يتطلب معلومات وافية ودقيقة تربط بين الموارد المستخدمة والأهداف المنجزة، ويتطلب نظاما محاسبيا حكوميا عالي الكفاءة، وهنا التحدي الثالث. فالقرارات بشأن الإنفاق يجب أن تتم وفقا لتدفق كافٍ وسريع من المعلومات إلى متخذي القرار، معلومات مالية وكمية ونوعية، تتضمن قياسا دقيقا ماليا واقتصاديا للموارد التي سيتم إنفاقها، وفي الوقت نفسه قياسا دقيقا أيضا للأهداف التي سيتم تحقيقها. من هنا، يمكن لمتخذي القرار توجيه الموارد نحو أفضل استخدام لها، وهذا هو التحدي الرابع، فعملية اتخاذ القرار الحكومي يجب أن تتسم بحوكمة رشيدة جيدة، قادرة على توجيه الموارد نحو المشروعات التي تحقق أفضل عوائد، وهو ما نسميه المشروعات الرأسمالية، بغض النظر عن موقعها الجغرافي أو تأثير أي عوامل أخرى، فالأصل في القرار هو المصلحة العامة، التي لن تتحقق إلا من خلال حوكمة فعالة.
لهذا كله، فإن تحقيق قفزات كبيرة في مؤشر كفاءة الإنفاق، وهو أحد أهم مؤشرات التنافسية، نتج عنه قفزات نوعية في قضايا داخلية عديدة تتعلق بالإنفاق الحكومي وتوجيهه بما يحقق المصلحة العامة، وأن عملية اتخاذ القرار في المملكة اليوم تتسم بنهج موضوعي كبير، ضمن منظومة من قواعد الحوكمة التي يتم اتباعها بصرامة كبيرة، وهذا واضح جلي لا يحتاج إلى تقديم كثير من الأدلة عليه، فهناك "رؤية المملكة 2030"، وهناك مبادرات وبرامج تم قياس مخرجاتها بدقة متناهية، وهناك مالية دقيقة تقيس تكلفة كل مبادرة والمشروعات المرتبطة بها، وكل هذه المعلومات متاحة أمام مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، الذي يجتمع بشكل دوري برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وعضوية كل الوزراء من الوزارات والهيئات ذات العلاقة. هكذا استطاعت المملكة التغلب على التحديات، وتسير بقوة وصلابة نحو بناء اقتصادها بين أفضل اقتصاديات العالم وأكثرها تأثيرا.

إنشرها