ثقافة وفنون

طقوس الجنائز .. مجال خصب لاكتشاف تراكمات الوعي الجمعي

عادة ما نعيش لحظات "الطقس الجنائزي" بموت قريب أو رحيل عزيز أو فراق حبيب، دون أن نفكر فيها طويلا، ربما بسبب هول الصدمة أو فجائية الواقعة أو ما عبَّر عنه الفيلسوف الروماني أبكتيتوس، أحد رموز المدرسة الرواقية، بقوله: "إن الموت ليس شيئا مفزعا، إنما المفزع هو مفهومنا عنه وتصورنا له، فلا مهرب من الموت".
شكّل الموت، وما زال، أحد أكبر المؤسسين للطقوس الجنائزية عبر التاريخ، فقد طور الإنسان على مر السنين عادات مختلفة لتكريم الموتى والحداد عليهم. واختلفت طرق التعبير عن ذلك من حقبة تاريخية إلى أخرى؛ وأحيانا ما بين هذا النطاق الجغرافي، وذاك في العصر نفسه. وراوحت هذه الطقوس والمراسيم ما بين البساطة والحزن والسرعة لدى بعض الشعوب، والفخامة والابتهاج والإغراق في التفاصيل لدى شعوب أخرى.
ولا تزال إرهاصات تلك الطقوس محط اهتمام وعناية في كثير من ميادين البحث الأركيولوجي والأنثروبولوجي على حد سواء، سواء انتسبت إلى عصور ما قبل التاريخ أو إلى العصور اللاحقة التي ظهر فيها الدين باعتباره أحد أهم المعطيات الثقافية المؤسسة للوعي الجمعي.
تعد المدافن للمشتغلين في هذه الحقول المعرفية، وحدات تحوي معطيات غنية ومتماسكة مميزة لعصرها، كما تستخدم مؤشرات ومحددات ثقافية، تسهم بشكل كبير في التعرف على البنيات الاجتماعية لكل عصر، بما في ذلك الثقافة الدينية السائدة فيه.
عرفت شعائر الموت لدى الإنسان العاقل تحولا كبيرا، بالمقارنة مع ما كانت عليه في العصور السالفة، حيث أولي عناية خاصة بالموتى، وخير دليل على ذلك تنامي المرفقات الجنائزية، وتعقد طرق ومراسيم الدفن. خلف هذا تراثا إنسانيا هائلا، ما زال يفرض نفسه في عصرنا الحالي، حيث لم تقو سطوة وجبروت العولمة على طمسه في بلدان نشأتها، فأنَّى يكون لها ذلك عند شعوب تصر على فرض مسافة أمان بين خصوصياته وما يأتيها من الغرب.
يحافظ عديد من المجتمعات على طقوس جنائزية فريدة من نوعها، بحسب نوعية المعتقدات والقيم الثقافية السائدة داخل تلك المجتمعات، وهناك عدد من تلك الطقوس الأكثر إثارة للاهتمام في العالم.
يعد المكسيكي إدوارد ماتوس موكتيزوما واحدا من أشهر الأركيولوجيين الذين اشتغلوا على الموضوع في العالم، ففكرة موت الإنسان بحسبه "كانت مرفوضة لدى الشعوب، غير أنهم تدريجيا أدركوا أنه مصير لا مفر منه، وأن ساعته آتية لا محالة، إلا أنهم سعوا بمختلف الطرق إلى تجنبها من خلال ابتكار عوالم تمثل فرصا أخرى للحياة بعد الموت".
أما الطقس الأكثر شهرة في أمريكا اللاتينية، الذي اكتسب شهرة عالمية حول الموت، فهو "يوم الموتى"، الذي تعود جذوره إلى ما قبل ثلاثة آلاف سنة مع حضارات الأزتيك والناهوا والمايا، ويحتفل به في فاتح وثاني شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من كل سنة، وقد اعترفت «اليونسكو» بهذا اليوم جزءا من التراث الثقافي الإنساني عام 2008.
في أمريكا اللاتينية دائما، يمارس أفراد قبيلة اليانومامي المنتشرين بين جنوب شرقي فنزويلا وشمال البرازيل طقوس أكل رماد جثث المتوفين. فبعد إحراق الجثث في المرحلة الأولى من الحداد، تأتي لحظة الاحتفالية بأكل خليط الرماد والعظام المفتت مع الموز المطبوخ، فتلك هي السبيل الوحيدة لتحرير الفرد المتوفى وامتصاص أفراد القبيلة لروحه، ما يضمن تحقيق الخلاص الكامل للميت بدل بقاء روحه عالقة بين عالمي الحياة والموت.
يمارس الملغاشيون في مرتفعات مدغشقر، بشكل منتظم طقسا من أغرب ما يكون، يدعى فاماديهانا أو "تقليب العظام"، ينتشلون خلاله الجثث من القبور، ويرشون بقاياها بالعطور أو النبيذ الفوار، ثم يرفعونها على أكتافهم ويبدؤون بالرقص. كل ذلك بغرض الشكر والتعبير عن الامتنان للآباء والأجداد. حاول عديد من الجهات الحكومية والمدنية وقف هذا التقليد بلا جدوى، حيث يرى ممارسوه أنها "طريقة فريدة لاحترام الموتى، وهي أيضا فرصة لتجمع العائلات من أقاصي مدغشقر".
من غرائب الطقوس التي تمارسها قبائل التوراجا في جزيرة سولاويسي الإندونيسية، تحنيط الميت والإبقاء عليه كأنه ما زال حيا مع عائلته في المنزل، ويتكلمون معه وكأنه مريض، فيقدم له الطعام وتتم رعايته. في انتظار توفير ما يكفي من المال لإقامة مراسيم احتفالية قد تستمر ستة أيام، يأكلون ويرقصون فيها، ويضحون بعديد من المواشي "خنازير وجواميس" لتكريم الفقيد قبل دفنه.
لا تزال الجنائز عالما خصبا لطقوس يبدع فيها الإنسان عبر العصور، ففي المجتمعات الحديثة، وتماشيا مع الفلسفة البيئية، ظهرت فكرة الدفن الأخضر بين أنصار حماية البيئة. وتقوم على مبدأ الحد من الأثر البيئي للموتى والحفاظ على الموارد الطبيعية، فبدلا من استخدام سائل التحنيط العادي، يعتمدون أكفانا وتوابيت وسوائل غير سامة وقابلة للتحلل.
نهاية القرن الماضي، دخلت عقلية السوق بمنطقها التجاري إلى طقوس الجنائز، حين طرحت شركة أمريكية فكرة تحويل رماد جثث الموتى إلى ألماس قصد تخليد ذكرى الشخص المتوفى لدى أهله. وسرعان ما انتشرت الفكرة سريعا في العالم، فقد أعلنت شركة سويسرية متخصصة في هذا المجال أنها تنتج سنويا أزيد من 850 قطعة تذكارية.
يبقى ما سبق غيضا من فيض، فيما يخص تعامل الشعوب، أفرادا وجماعات، مع الموت. أيا كانت الثقافة والعقيدة الدينية التي نؤمن بها، فحتما نحن مؤمنون بحتمية الموت. وبين التعاليم الدينية والأعراف الاجتماعية والطقوس القبلية، تبقى الجنائز مجالا خصبا لاكتشاف تراكمات وعي جمعي بشأن فكرة الموت لدى الشعوب عبر التاريخ.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون