FINANCIAL TIMES

بريطانيا تبحث عن حل .. لعنة المدير العارض تشل الإنتاجية

عندما يصل عمال شركة برودوماكس الـ75 إلى مصنع مكونات الفضاء والطيران في شيبلي في غرب يوركشاير، يتتبعون سهاما أرضية تحمل علامة: "أبطال الهندسة الخارقون: الطريق من هنا" ويمرون عبر نموذج لكابينة هاتف – من النوع الذي يظهر منه سوبرمان بشكل تقليدي، أثناء مغامراته لحماية العالم.
تلوح فوق أرضية المعمل صورة لبطل خارق يرتدي رداء خارجيا فضفاضا "مثل رداء سوبرمان" و"ميزان حرارة" يراقب النمو في حركة المبيعات.
هذه هي يوركشاير، المنطقة الإنجليزية الشمالية الفخورة بطبخها التقليدي، لذا تلعب فطائر اللحم أيضا دورا في خطة الحوافز البيتية في شركة برودوماكس.
عندما تسجل الشركة أرقاما قياسية تجارية جديدة، يقوم أصحاب الشركة ماندي وجيرمي ريديارد، الزوج والزوجة، "بتوزيع الفطائر" لجموع القوى العاملة كمكافأة.
يبدو أن هذه الأدوات التحفيزية غير التقليدية ناجحة. ارتفعت إنتاجية شركة برودوماكس 38 في المائة على مدى السنوات الثلاث الماضية، وتضاعفت عائداتها من إجمالي الأصول.
في إدارة هذه الشركة سريعة التوسع، نادرا ما تستخدم السيدة ريديارد، التي هي أيضا مديرة شؤونها المالية، كلمة "الإنتاجية"، فالإنتاجية، كما تقول، "هي ناتج ثانوي لما أحاول تحقيقه: النمو. إذا ركزت على الإنتاجية فحسب، فإنك تفوِّت المقصود".
قل ذلك للسياسيين والاقتصاديين في المملكة المتحدة، الذين يشكل ضعف الإنتاجية لديهم، وكيفية تصحيحه، صداعا دائما.
في عام 2016، كان الناتج لكل عامل بريطاني متراجعا عن كل بلد من بلدان مجموعة السبعة باستثناء اليابان. بلغت الفجوة مع الولايات المتحدة 27.3 في المائة.
في حين أن الاستعدادات لـ"بريكست" تشغل بال صناع السياسة، أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الوطني الأسبوع الماضي أن إنتاجية المملكة المتحدة تراجعت في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2018 مقارنة بالربع السابق.
وعلى الرغم من حدوث انتعاش في وقت سابق، لا يزال نمو الإنتاجية أقل بكثير من اتجاهه قبل الأزمة المالية.
إحدى الفرضيات لتفسير هذا التأخر هي أن المديرين في المملكة المتحدة لا يحصلون على التدريب الكافي ولا يتلقون التقدير المناسب.
إنهم أقرب إلى أن يكونوا كلارك كينت "الإنسان العادي" أكثر من كونهم سوبرمان "الوجه الآخر لكلارك كينت"، حيث إنهم أقل أداء مقارنة بمعظم أقرانهم في مجموعة البلدان السبعة.
والأسوأ من ذلك، كما تقول النظرية، قد يعتقد بعضهم أنهم أبطال خارقون حاصلون على أعلى الدرجات، حتى مع بقاء أدائهم الفعلي راسخا في الأرض بقوة.
في العام الماضي، أشار آندي هالدين، كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا، إلى أن "(غياب) جودة الإدارة" يشكل تفسيرا معقولا للذيل الطويل للشركات غير المنتجة في المملكة المتحدة، والفجوة مع "الشركات الطليعية" التي تشكل أعلى 5 في المائة من الأداء الإنتاجي.
وعلى حد تعبيره، فإنه "للسبب نفسه يعتقد معظم أصحاب السيارات أنهم سائقون فوق المتوسط، وقد تعتقد معظم الشركات إلى حد كبير أن لديها مستويات إنتاجية أعلى من المتوسط".
في المقابل، عندما قامت كلية هارفارد للأعمال، وكلية لندن للاقتصاد، وشركة ماكينزي، وجامعة ستانفورد، بمسح لمدى نجاح أو سوء إدارة الشركات، توصلوا إلى أن الشركات الأمريكية هي "الأفضل إدارة في العالم".
كتب الأكاديميون أن المديرين الأمريكيين "لا يرحمون من حيث سرعتهم في مكافأة وترقية الموظفين الجيدين، وسرعتهم في إعادة تدريب أو حتى طرد الموظفين السيئين".
تشير البيانات - بالتأكيد - إلى أن كثيرا من الشركات البريطانية يمكن أن تستفيد من تحسين ممارسات الإدارة البسيطة – أو مجرد اعتمادها في المقام الأول.
سجل مكتب الإحصاءات الوطنية في المملكة المتحدة نتائج شركات التصنيع والخدمات بناء على براعة إدارتها، وتوصل أن مجرد تحسين هذه النتيجة 0.1 في المائة كان مرتبطا بزيادة نحو 10 في المائة في الإنتاجية.
تيرا ألاس، مستشارة في شركة ماكينزي وكانت سابقا مديرة عامة في وزارة الأعمال البريطانية، "تشعر بالذهول" من مدى تخلف بعض المديرين عن المنافسين الدوليين. وتقول: "الممارسات التي نتحدث عنها أساسية. نحن لا نتحدث عن نظرية النسبية لأينشتاين".
أكثر أدوات الإدارة فعالية، وفقا لدراسة مكتب الإحصاءات الوطنية، هي بعض من الأدوات التي هي موجودة منذ عقود.
وهي تشتمل على "التحسين المستمر"، وهي طريقة لتوحيد وتبسيط عمليات العمل التي بدأت كثير من الشركات الغربية الكبيرة في نسخها، من شركات التصنيع اليابانية ذات الكفاءة منذ فترة طويلة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي. تشتمل التقنيات البسيطة الأخرى، التي يمكن أن تساعد الشركات على إنتاج مزيد من الأشياء التي تستخدمها، على تحديد الأهداف وتشجيع العاملين على الوفاء بها، وإجراء مراجعات الأداء أو إرسال مزيد من الأشخاص للتدريب.
حتى في الوقت الذي يستعد فيه المديرون لتبني مزيدا من ممارسات الإدارة الأساسية المذكورة، فإن المشهد يتغير.
يدعي حميد موجل أنه زار أكثر من 500 مصنع في حياة مهنية تشتمل على فترات في شركة بي إم دبليو BMW والآن في شركة رولز رويس، حيث يشغل منصب مدير التصنيع في مجموعة الفضاء والطيران.
ويتذكر كيف أن التوحيد القياسي جلب الاتساق والقابلية للتنبؤ لشركات التصنيع الرائدة في الثمانينيات. وهذا بدوره أعطى المنظمات "المساحة اللازمة للتخطيط والتحسين"، لكنه يقول الآن إن "ثقافة التحسين المستمر ليست جيدة بما فيه الكفاية: العالم يتغير ويجب أن تقوم بما هو أكثر من ذلك بكثير".
في جناح مؤتمر فندقي بجوار الحرم الجامعي لجامعة لانكاستر، يجتمع 18 مديرا من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في شبه دائرة، ويتبادلون خبرتهم في تجربة أفكار الإدارة الجديدة.
إنهم جزء من برنامج تقوده الجامعة يدعى "الإنتاجية من خلال الناس"، بالشراكة مع شركات مثل بي أيه إي سيستمز BAE Systems وسيمنز ورولز رويس، وBe The بي ذا بزنس Business، وهي حملة وطنية لتشجيع الشركات الصغيرة على التعلم من الشركات الطليعية. يقضي المندوبون وقتهم في زيارة الشركات الكبيرة للنظر في الطرق التي تدار بها، إضافة إلى مشاركة تجاربهم ومشاكلهم الخاصة. يتم تحميسهم من خلال زيارة لمصنع تابع لشركة سيمنز يصنع مشغِّلات مرنة السرعة للمحركات في كونجليتون، تشيشاير. شجعهم المديرون هناك على التفكير في أسلوب قيادتهم وكيفية التواصل بشكل أفضل، وبشكل أكثر انفتاحا، مع الموظفين. ومع ذلك، فإن هؤلاء المديرين يعترفون بالعقبات التي لها طابع خاص في بريطانيا.
يقول ألاستير إيجلز، الرئيس التنفيذي لشركة سيترك فيريز Seatruck Ferries، التي توظف 70 شخصا بشكل مباشر وتشغِّل عبّارات شحن عبر البحر الأيرلندي: "لسنا منفتحين بما فيه الكفاية (مع الموظفين) بالحقائق والأرقام، وأعتقد أن هذا شيء بريطاني".
تأتي أكبر لفتة للدلالة على الموافقة حين تُسأل المجموعة عما إذا كان كثير منهم يشعرون بأنهم "مديرون بالصدفة".
وهو مصطلح يستخدمه "معهد الإدارة القانوني" في المملكة المتحدة، وهو هيئة للصناعة، التي تشعر بالقلق من أن العمال يتم ترقيتهم في كثير من الأحيان إلى أدوار إدارية مع قليل من الاستعداد أو دونه.
في كثير من الأحيان، كما يقول المعهد، يطلب من الناس الارتقاء في الوظيفة لأنهم جيدون في وظيفتهم الحالية. ويعتقد أن نحو 2.4 مليون من المديرين في المملكة المتحدة البالغ عددهم 3.4 مليون، ينتمون إلى هذه الفئة. تقول آن فرانك، الرئيسة التنفيذية لمعهد الإدارة القانوني: "كثير من التدريب على الإدارة (البريطانية) هو نظري وغير ذي صلة، في حين أننا نجد في المقابل التعرض لعالم العمل داخل في بنية النظامين التعليميين الأمريكي والألماني".
هناك أدلة تتناقلها الأقوال تشير إلى أن بعض المديرين البريطانيين يترددون في التغيير لأنهم لا يرون حاجة إليه، كما أشار هالدين من بنك إنجلترا العام الماضي.
وتقول إديتا باثجيت، وهي مندوبة أخرى في برنامج "الإنتاجية من خلال الناس"، ومديرة تصنيع بولندية المولد في شركة ديلي سوليوشنز Deli Solutions، التي تقوم بإعداد وتعليب الزيتون والمقبلات لمحلات السوبر ماركت، إنها "صادفت كثيرا من المديرين الذين قالوا إنهم يعرفون ما يقومون به ولا يحتاجون إلى تعلم تقنيات جديدة".
وضع المدير البريطاني يشكل أيضا عائقا. ما زالت صورتهم عالقة في مكان ما بين ديفيد برنت، المدير المتغطرس المسؤول عن سوء الإدارة في البرنامج الوثائقي الساخر بعنوان "ذا أوفيس" The Office، وباسيل فولتي، عديم الكفاءة والفوضوي، مالك الفندق في المسلسل التلفزيوني البريطاني "أبراج فولتي".
عند المقارنة، تقول السيدة فرانك "إن الحلم الأمريكي المثالي هو، أستطيع أن أكون قائدا".
يمكن أن يكون هناك "نوع من قلة الخبرة" لدى المديرين العرضيين في المملكة المتحدة، كما يوافق على ذلك مارتن سبرينج، أستاذ إدارة العمليات في كلية الإدارة في جامعة لانكاستر، في حين أن المهارات الإدارية في بقية دول أوروبا "قد تكون متجذرة في مزيد من الخبرة الفنية". يضع نظام "التدريب المزدوج" في ألمانيا المتدربين من خلال مزيج من المدارس المهنية الممولة من القطاع العام والخبرة في مكان العمل، على سبيل المثال.
يقول نورمان بيكافانس، الرئيس التنفيذي لشركة توموروز كومباني Tomorrow’s Company، وهي مؤسسة فكرية في المملكة المتحدة: "عندما نقوم بالتدريب الإداري، فإن الأمر يشبه نوعا ما إضافة السكر إلى كوب الشاي: إنه لا يغير الشاي نفسه". ويحذر موجل في شركة رولز رويس، بالاستناد إلى خبرته مع شركة بي إم دبليو BMW في ألمانيا، من أن الحل لا يتمثل في تدريب العاملين على مهارات الإدارة العامة فحسب، مثل كيفية الإشراف على الميزانية أو تشغيل مشروع. "إذا كنت بصدد صنع شوكولاتة قد يكون ذلك مناسبا لك، لكن إذا كنت تدير عملية تصنيع عالية التقنية، فلن تكون المهارات العامة كافية... لأنك في هذه الحالة تصبح مثل، أبو سبع صنايع والبخت ضايع".
على أية حال، تكرار النموذج الألماني الذي يعود إلى عدة قرون من الزمن أمر صعب، وفي حين أن أي من شركتي سيمنز أو رولز رويس تستطيعان تحمل تكاليف تدريب واسع وعميق في برامج التوظيف والتطوير القيادي، إلا أن الشركات الأصغر ربما تعاني في سبيل ذلك.
"الحمولة المعرفية لمديري الشركات الصغيرة ضخمة" كما تقول السيدة ألاس من شركة ماكينزي. "عليك أن تكون مدير الموارد البشرية والمدير المالي ومدير المبيعات، والشخص المسؤول عن السوق كل ذلك دفعة واحدة".
وتتفق السيدة ريديارد من شركة برودوماكس بابتهاج على أنها هي وزوجها "من أصحاب الأعمال العرضيين والمصدرين العرضيين والمديرين العرضيين".
سعت عائلة ريديارد لطلب المساعدة عندما وصل الأمر لتقرير كيفية توسيع مصنعهما. بدلا من استخدام قوالب من الورق المقوى لآلات الخراطة التي أرادوا حشرها في المكان، ارتبطوا بمركز أبحاث التصنيع المتقدم في جامعة شيفيلد.
يستضيف هذا المركز الخبرات من الشركات الصغيرة والمتوسطة، بما في ذلك السماح لمديري العمل والعاملين باستخدام معدات الواقع الافتراضي لاختبار تخطيطات وأدوات تم إنشاؤها بواسطة الكمبيوتر، قبل أن ينغمسوا في خطط استثمار رأس المال الطموحة.
في حين أن الروبوتات تكتسب مكان الصدارة في هذا المركز، إلا أن الشركات غالبا ما تبحث عن إصلاح تكنولوجي ثم تدرك بعد ذلك أن لديها مشكلة مع الناس.
يقول البروفيسور سبرينج، إن تحسين الإدارة يمكن أن يكون بسيطا مثل "كتابة شيء ما على السبورة البيضاء أو عقد اجتماع عادي".
يقول كريس ماين، مدير العمليات في شركة فورسبيرج سيرفيسز Forsberg Services التي تتخذ من لانكاستر مقرا لها، التي تصنع أنظمة ملاحة دقيقة، إن الشركة لم تدرك أنها كانت تعاني من مشكلة في الإدارة، إلا عندما توسعت.
ويضيف: "كل هذه الأنظمة التي كانت تعمل عندما كنا مجموعة صغيرة، بدأت للتو في العمل فوق طاقتها وتعرضت للإجهاد ولم تنجح". حرصت المجموعة على بذل كثير من الجهد لتحسين مشاركة الموظفين. ويقول إنك حين تكون مديرا "قد تعتقد أنه يمكنك مضاعفة حجم الشركة ثلاثة أضعاف، (ولكن) عندما تفهم مخاوف (الموظفين) والقيود التي تحيط بهم، عندها فحسب ستحصل على فكرة عن المدى الذي يمكن أن تذهب إليه". ما إذا كان بوسع الإدارة الأفضل سد الفجوة الإنتاجية، فهذه مسألة ما تزال خاضعة للجدل. أشارت مؤسسة سنتر فور سيتيز Centre for Cities الفكرية إلى أن أكثر من تسع من بين عشر شركات ذات إنتاجية منخفضة في المملكة المتحدة، هي شركات محلية، مثل المقاهي وصالات الرياضة وصالونات تصفيف الشعر، التي ليس لها مجال يذكر لتصبح أكثر كفاءة.
لربما يكون تأثيرها الجماعي على الاقتصاد أقل من تأثير مجموعات قليلة كبيرة جدا.
ومع ذلك، فإن الشركات الصغيرة المذكورة التي أخذت على عاتقها التصدي لتحدي الإنتاجية والإدارة، تؤمن بالأثر التراكمي للتحسينات التي تخطط لها.
مستوحيا من أمثلة الشركات الكبيرة، يعبر إيجلز من شركة سيترك فيريز Seatruck Ferries عن الموضوع كما يلي: "سنجري كثيرا من التغييرات الطفيفة – وقد يكون مجموع هذه التغييرات الطفيفة مثيرا للإعجاب إلى حد كبير".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES