حرب تجارة الدجاج العالمية

|
خفضت التطورات التقنية بعد الحرب العالمية الثانية تكاليف إنتاج الدجاج في الولايات المتحدة، وتراجعت أسعار تصديره إلى الدول الأوروبية مشجعة سكانها على زيادة استهلاكه. ونتيجة لذلك، ارتفعت صادرات الدجاج الأمريكية وغطت جزءا كبيرا من الاستهلاك الأوروبي. دفعت المنافسة القوية عبر الأطلنطي المنتجين الأوروبيين إلى اتهام الجهات الرسمية الأمريكية بدعم صناعة تربية الدجاج والسماح باستخدام الهرمونات وبعض المواد الضارة صحيا لزيادة إنتاج الدجاج وخفض تكاليفه. قادت هذه التطورات إلى نشوب حرب تجارية محدودة سميت "حرب الدجاج". بدأت هذه الحرب بين الولايات المتحدة ودول السوق الأوروبية المشتركة الست في منتصف 1962، حيث رفعت دول السوق رسومها الجمركية على ورادات الدجاج الأمريكي. وكانت هذه الرسوم متغيرة لحماية إنتاج الدول الأوروبية من الدجاج، على الرغم من أن الولايات المتحدة كانت أكثر كفاءة "أقل تكلفة" في إنتاج الدجاج من الدول الأوروبية. وقد نجحت التعرفة في التصدي للميزة النسبية للدجاج الأمريكي المستورد إلى أوروبا وبدأت صادرات الدجاج الأمريكي بالتراجع مع حلول عام 1963 هابطة بنحو الثلثين خلال فترة وجيزة من الزمن. تفاوتت تقديرات خسائر الصادرات الأمريكية بين الأوروبيين الذين قللوا من تأثيرها، والحكومة الأمريكية التي قدرتها بأكثر من ضعف تقديرات الأوروبيين، أما المصدرون الأمريكيون فقدروها بأكثر من ذلك. قادت الرسوم على الدجاج الأمريكي إلى احتجاج المصدرين الأمريكيين شرق الولايات المتحدة الذين وجدوا آذانا صاغية من المسؤولين في العاصمة الأمريكية. تخوف كثير من المسؤولين الرسميين الأمريكيين من أن هذه الرسوم ما هي إلا مقدمة لبرنامج حمائي ضد المنتجات الأمريكية، خصوصا الزراعية منها، لحماية إنتاج دول السوق الأوروبية المشتركة. وكانت السوق في بداية تكونها واستخدمتها الدول الأعضاء في تقوية مواقفها ومطالبها التجارية مع دول العالم. تخوفت الولايات المتحدة في ذلك الوقت من أن تؤدي الرسوم إلى التأثير على موازينها التجارية، حيث كانت دول السوق تستورد نحو ربع صادرات الولايات المتحدة الزراعية. احتجت الولايات المتحدة على الرسوم الجمركية الإضافية المفروضة على الدجاج فعرضت بعض دول السوق خفضا محدودا على هذه الرسوم، في المقابل هددت الولايات المتحدة بعد ذلك بفرض رسوم انتقامية على المنتجات الأوروبية، ما أغضب بعض الأوروبيين. استخدمت الولايات المتحدة في ذلك الوقت الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة المعروفة بـ"جات"، التي قدرت خسائر الولايات المتحدة بمبلغ يقل عن التقديرات الأمريكية. بعد ذلك فرضت الولايات المتحدة رسوما جمركية على أنواع معينة من السيارات الأوروبية ثم توسعت الحرب التجارية قليلا، حيث رد الأوروبيون بفرض رسوم على عدد محدود من المنتجات الأمريكية ما حدا بالأمريكيين مجددا فرض رسوم جمركية إضافية على منتجات أوروبية أخرى. توقف الأمر عند هذا الحد بعد أن اعتقد كل جانب أنه حقق نصرا على الآخر، رفعت فيما بعد التعريفات الإضافية على المنتجات الأوروبية ما عدا المفروضة على بعض أنواع السيارات التي استمرت حتى الوقت الحالي، وتأثرت بها صادرات دول أخرى. يرى عديد من المختصين أن الطرفين لم يكسبا من هذه الحرب التجارية المحدودة، حيث يعتقد أن كليهما خسر بعض الشيء. خفضت الرسوم على الحافلات والشاحنات الخفيفة منافسة المنتجات الأمريكية المقابلة ما أضعف في النهاية قدرة المنتجين الأمريكيين في هذه السوق، أما في الجانب الأوروبي فما زالت القيود تفرض على واردات الدجاج الأمريكي. ما يسمى "حرب الدجاج" في ستينيات القرن الماضي تذكر في الوقت الحالي بما تسببه النزاعات التجارية بين الدول من أضرار على الأمد الطويل إذا لم تحاول الأطراف المتنازعة التفاهم حول حلول ترضيها جميعا وتعظم منافع التجارة العالمية. النزاعات التجارية الحالية بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين أشد خطورة بكثير من حرب الدجاج، وتهدد التجارة والاقتصاد العالمي في مقتل، نظرا لشمولها عددا كبيرا من السلع والمنتجات مع دول عديدة وضخامة قيم السلع والمنتجات المهددة بالرسوم الإضافية. ومما يزيد الطين بلة تخلي بعض الأطراف عن الآليات العالمية لحل الخلافات التجارية، فقد كانت الدول في الماضي تلجأ إلى المنظمات الدولية والاتفاقيات متعددة الأطراف لحل النزاعات التجارية، أما في الوقت الحالي، فقد فقدت هذه المنظمات والاتفاقيات هيبتها وصارت بعض الدول تتصرف بعشوائية، مما يعقد الوصول إلى تفاهمات حول النزاعات التجارية. حرية التجارة العالمية ليست ترفا تستطيع الدول الاستغناء عنه كما يظن بعضهم، لكنها ضرورية للنمو والرفاهية العالمية، حيث تزيد منافع المستهلكين وتوسع خياراتهم وترفع رفاهيتهم، ما يعظم منافع سكان العالم، كما أنها تعزز النمو الاقتصادي العالمي، وتزيد المنافسة بين المنتجين، وتدفع إلى الابتكار، وتحسن المنتجات، وتجبر الجميع على تحقيق مزيد من الكفاءة. للحروب التجارية أضرار جانبية ليس على اللاعبين الرئيسين فقط فيها، لكن أيضا على مصالح الدول الصغيرة والمنتجين الضعفاء غير المتورطين فيها، حيث قد تحدث خسائر كبيرة لاقتصادات بعض الدول التي لا ناقة لها ولا جمل في النزاعات التجارية والمنتجين البسطاء في أرجاء المعمورة. والأخطر من ذلك، أنها قد تتسبب في إحداث ركود أو كساد عالمي يهدد أحجام وأسعار صادرات الدول النامية من المواد الخام والمنتجات كثيفة الاستخدام للعمالة.
إنشرها