إنها تسلب عقلك

|
عدت بالأمس من رحلة ممتعة ليست مثل كل الرحلات، لا تحتاج إلى فيزا ولا مطارات ولا حجوزات، بوابة دخولك ابتسامة ونظرة إلى أعماقهن، رحلة قصيرة لكنها ثرية في عقول الصغيرات المقبلات على الحياة. شدني التنوع والاختلافات فيما بينهن، وأكثر ما لفت نظري تميز مَن تقرأ وتحب القراءة عن غيرها، يكون الخط أجمل، والعبارات مترابطة ومختصرة، والإجابات مرتبة، تغمض عينيها وتبحر في السؤال للحظات، ثم تعود لك بدرر من الحديث، يتناغم مع مرحلتها العمرية وغالبا يتخطاها. فما سبب تأثير القراءة الساحر فيهن؟ هل هو فتح نوافذ على العالم الآخر، كما كان في وقتنا؛ حيث هي الوسيلة الأسرع والأسهل لنرى الوجه الآخر للحياة؟ لكن اليوم اختلفت المسألة، فالعالم كله تحت إشارة إصبعك! فهل للقراءة أثر حقيقي ملموس في خلايا دماغ القارئ، يمنحه هذا التميز رغم وجود التكنولوجيا؟! كانت نتالي فيليبس الأستاذة في جامعة ميتشيجان الأمريكية تندمج في قراءة الروايات، حتى تشعر كأنها تعايش أحداث القصة بنفسها، فتنسى العالم الواقعي حولها. أثار هذا التعايش فضولها ودفعها إلى فحص النشاط الدماغي عند قراءة رواية بشكل معمق. ولتدرس المسألة قامت نتالي بتصوير نشاط الدماغ في حال القراءة السطحية العادية والقراءة المعمقة باستخدام الرنين المغناطيسي، فتبين وجود فرق بين الحالتين في مناطق الدماغ التي تتعلق بالانتباه كما كان متوقعاً، لكن الذي لم تتوقعه وجود تأثير للقراءة المتعمقة في كل المناطق التي تتعلق بالحركة واللمس، وكأن القارئ يعيش الأحداث بنفسه بدل الشخصيات؛ أي أن قراءة الروايات تجعلنا نعيش تفاصيل كثيرة وتجارب عديدة في الحياة دون أن نتحرك من مكاننا، ما يمنح القارئ خبرات حياتية واسعة تفوق عمره. الدراسة نفسها أجريت في جامعة أتلانتا الأمريكية، على عينة عشوائية مكونة من 21 طالبا، كُلفوا بقراءة رواية ذات سرد قصصي مشوق “بومبي” لكاتبها روبرت هاريس، ليضمنوا اندماج الطلاب مع أحداث الرواية، وتم فحص أدمغتهم قبل وبعد. تمت التجربة على مدار 19 يوما، كان على كل طالب أن يقرأ قسماً معيناً من القصة كل يوم مساءً، وفي الصباح التالي يُجرى له اختبار مدى فهمه القصة، ومن ثم يُفحص دماغه وهو في حالة راحة وتوقف عن القراءة. أظهرت النتائج ارتفاع نسبة التواصل بين خلايا الدماغ في المنطقة الصدغية اليسرى، وهي المنطقة الحساسة لغوياً من الدماغ، والمنطقة التي تحوي خلايا عصبية مسؤولة عن صنع أو تمثيل الحركة في خيالنا، ما يجعلنا قادرين على تنفيذها في الواقع، كما وجدوا أن القراءة تزيد من الذكاء العاطفي، ما يجعلك قادرا على فهم مشاعر الأشخاص من حولك، والتعامل مع الحالة العقلية التي يعيشونها.
إنشرها