المشراق

بسبب بنت نجدية .. لقبوه سلطان العاشقين

قهوة البن جل مقصودي
في الخفا والعلن
هام فيها إمامنا السودي
قطب أهل اليمن

البيتان السابقان من قصيدة للشيخ عبد المعطي بن حسن باكثير، يعلن فيها افتتانه بشرب القهوة، مشيرا إلى أن إمامه السودي قد هام فيها قبله. فمن هو هذا الشخص الذي يصفه بـ"قطب أهل اليمن"، والقطب هي أعلى مرتبة في طبقات الصوفية.

السودي:
نسبة إلى قرية تسمى سودة شظب، تبعد عن مدينة صنعاء ثلاث مراحل كما يقول الأولون. وتقدر تقريبا بمسافة 200 كيلو متر. ومراحل جمع مرحلة، وهي المسافة التي يقطعها المسافر سيرا على الأقدام أو على ظهور الدواب في يوم، كما في كتب اللغة.
واسم هذا العالم شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد السودي، واشتهر بالهادي أو عبد الهادي اليمني الشافعي. له ديوان مشهور، و توفي يوم الأربعاء سابع صفر سنة 932هـ.
ترجم له العيدروس في كتابه "النور السافر عن أخبار القرن العاشر"، وكال له الثناء كيلا. ولا شك عندي أن تشاركهما في التصوف أحد دوافع هذا الثناء الكبير، وسأقتطف بعض كلماته في السودي على ما فيها من أمور لا أصدقها، وأعدها من خرافات وأكاذيب أولئك القوم المعروفة: "الشيخ الكبير والعلم الشهير قطب العارفين وسلطان العاشقين"، ثم ذكر أن قبره في مدينة تعز، عليه قبة عظيمة، ويزار. ثم قال عنه: "أحد الأولياء الكبار والمشايخ المشهورين في الأقطار، وأحد من تنزل عند ذكرهم الرحمة، وكان من العلماء الراسخين والأئمة المتبحرين ودرس وأفتى، ثم طرأ عليه الجذب وصدرت منه أمور تدل على أنه من العارفين بالله ورويت عنه كرامات، وله ديوان مشهور وشعره رائق على طريقة أهل التصوف، ونظمه هذا ما وقع إلا بعد الجذب. وحكي أنه كان ما يقوله إلا في حال الوارد مثل ابن الفارض. فكان يكتب بالفحم فوق الجدران، فإذا أفاق محى ما كتبه من ذلك. وكان قراؤه بعد أن علموا منه ذلك يبادرون بكتب ما وجدوه من نظمه على الجدران فيجمعونه بعضه إلى بعض. وحكي أن بعض المنشدين أنشد بين يديه قصيدة من نظمه، فطرب لها وتمايل عليها ثم سأل عن قائلها، فقيل إنها من نظمك، فأنكر ذلك، وقال: حاشا ما قلت شيئا، حاشا ما قلت شيئا. وكان مولعا بشرب القهوة ليل ونهار، وكان يطبخها بيده وكان لا يزال قدرها بين يديه، وقد يجعل رجله تحتها في النار مكان الحطب، وكان كلما يأتي إليه من النذورات إن كان من المأكولات طرحه فيها، أو من غيرها أو قد به تحتها كائنا ما كان من ثوب نفيس أو عود أو غير ذلك. وقيل إن السلطان عامر بن عبدالوهاب بعث إليه بخلعة نفيسة، فألقاها تحتها فاحترقت، فبلغ ذلك السلطان، فغضب، وأرسل يطلبها منه فأدخل يده في النار وأخرجها كما كانت ودفعها إليهم". هذا ما قاله العيدروس، وكتابه مليء بمثل هذه الترهات والخرافات، وأمثاله من القوم في كتبهم ما هو أشنع وأبشع، "وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ".

قصائده في النجدية:
نظم السودي عدة قصائد في فتاة نجدية عشقها، منها:
يا عرب نجد أنتم لي فتنة
وبطيب ذكركم ألذ وأطرب
وأغيب عن كلي وحقكم بكم
وعذابكم يحلو لدي ويعذب
وإذا شهدت جمالكم وجلالكم
فجميع ما يحوي الوجود مغيّب
رمدت عيون ليس تلحظ حسنكم
هل ظاهر عن غير أعمى يحجب
روح بحبكم تحلى جيدها
المعارف كلها لا تعزب
يا سادتي، بل يا أحبة مهجتي
كم ذا عن الربع الأنيس تغرب
إن دام هذا الهجر ها أنا ميت
حاشا يضام نزيلكم ويخيب

وله قصيدة أخرى في معشوقته النجدية، مطلعها:
يا سادة ما عنهم مذهب
في حبكم لي مذهب مذهب
قد رام مني عاذلي تركه
لكنه فيما نوى أشعب
من أين تسلوا عنكم مهجتي
وفيكم الأمثال بي تضرب
يا ساكني وادي عذيب الهوى
تعذيبكم كالشهد يستعذب

ثم يمضي فيها إلى أن يقول في آخرها:
يا أهل نجد هذه قصتي
لكن إليكم منكم المهرب

ولا أدري، هل هذا شعر رائق كما قال العيدروس أم شعر غث ركيك، وقاتل الله الهوى.
ولا أدري من تكون هذه النجدية التي سلبت عقل الشيخ المجذوب، ولا ديارها، فهل هي من نجد الشهيرة وسط الجزيرة، في السعودية اليوم، أم نجد اليمن، وهو الأقرب لدي. أما وادي عذيب الذي ذكره، فهناك عدة أماكن بهذا الاسم، أورد ياقوت الحموي بعضها في "معجم البلدان"، وأورد غيره غيرها. ولعل أحد القراء يفيدنا.
وختاما، فلا يخفى القراء الكرام أن لقب "سلطان العاشقين" أطلق قبل السودي على المتصوف الشهير والشاعر المبدع عمر بن الفارض (ت 632هـ). ومن الواضح أن صاحبنا يحاول أن ينحى نحوه، لكن شتان بين شعر الأول والثاني.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق