التنمية والابتكار .. والخروج من الصندوق

|

لا شك أن "قضية التنمية"، والسعي إلى التطوير نحو الأفضل، موضوع مهم يشغل بال الجميع، ليس فقط على مستوى الدول، بل على مستوى المؤسسات والأفراد أيضا، خصوصا مع تزايد المنافسة بشأن التنمية على كل من هذه المستويات. وقد كانت "المعرفة"، عبر عصور التاريخ وسيلة رئيسة وفاعلة من وسائل التنمية وتطوير حياة الإنسان. ويشهد هذا العصر تزايدا في أهميتها بسبب تسارع تجدد المعرفة، وسرعة توظيفها والاستفادة منها. وتستخدم كلمة "ابتكار" Innovation على نطاق واسع، للإشارة إلى أنواع مختلفة من المعرفة الجديدة والمتجددة القابلة للتوظيف وتقديم فوائد تسهم في التنمية، سواء كانت مادية أو اجتماعية أو إنسانية، أو أي مزيج منها. فكثيرا ما نسمع تعبيرات مثل "الابتكار التقني" و"الابتكار الاجتماعي"، وغير ذلك من تعبيرات تحمل وصفا لطبيعة المعرفة المتجددة وفوائدها.
وهكذا يمكن القول، بناء على أساس ما سبق، أن "الابتكار" محرك رئيس "لمسيرة التنمية" التي نتطلع إليها في جميع الموضوعات وعلى كافة المستويات. وتبرز، في مجال "تفعيل الابتكار" مقولة شهيرة منتشرة في مختلف أنحاء العالم هي أن "الخروج من الصندوق" وسيلة مهمة من وسائل تفعيل الابتكار وتجديد المعرفة المفيدة. والمعنى المقصود من ذلك، هو العمل على تقديم أفكار ومعارف جديدة، خارج إطار ما هو مألوف ومعتاد في الوضع الراهن "للوحدة المستهدفة بالتنمية"، سواء كانت فردا أو مؤسسة أو دولة، من أجل الانتقال إلى وضع جديد أفضل.
ويقول هاورد جاردنر Howard Gardner صاحب نظرية "تعدد الذكاء"، "إن تحديد "الصندوق المقصود" والتعرف على معالمه وخصائصه متطلبات لا بد أن تسبق إطلاق الأفكار الابتكارية الجديدة خارج الصندوق".
وكما أن للتنمية مستويات متعددة تستهدفها، ابتداء من المستوى الشخصي حتى مستوى الدول والعالم بأسره، وكما أن لها مجالات متعددة تستهدفها أيضا، سواء كانت تقنية أم اجتماعية أم إنسانية، فإن لكل من هذه المستويات، وكذلك المجالات، صناديق تراكمت فيها المتطلبات والإجراءات والأنظمة والوسائل التقليدية. وعلى ذلك، فإن التنمية والتطوير نحو الأفضل، في إطار كل من المستويات والمجالات، يحتاج إلى التعريف بصناديقها، ثم الخروج بأفكار "خارج هذه الصناديق"، تحمل معرفة متجددة قابلة للتوظيف وتقديم فوائد جديدة. بذلك تتجدد صناديق الوحدات المستهدفة بالتنمية وتحقق نموا في معطياتها يقود إلى تطويرها نحو الأفضل. ومع انتشار ذلك، تتطور مختلف صناديق الوحدات المؤثرة في حياتنا عبر أفكار جديدة تنطلق من فضاء فكري واسع خارج إطار هذه الصناديق، غير مقيدة بما هو متاح داخلها فقط.
وليس في أفكار التطوير والمعارف الجديدة المفيدة "إضافة" فقط إلى ما هو متاح في الصناديق، بل قد يكون فيها "إنقاص" لتراكمات في هذه الصناديق جعلتها أقل رشاقة وأدنى أداء. وربما يكون "استبدالا" لبعض محتواها بما هو أفضل، ما يجعلها أكثر قدرة على المنافسة. وينقل عن عالِم الإدارة الشهير بيتر دركر Peter Drucker اهتمامه "بإنقاص الترهلات" في منظومات المؤسسات قبل "إضافة التحسينات". وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك "تطويرا نحو الأفضل" في جميع هذه الحالات، لكن التخلص من الإعاقة المتراكمة، يمكن أن يسبق تحسينات الإضافة والاستبدال، ناهيك أيضا عن فتح "آفاق جديدة"، غير مسبوقة، للمستقبل.
في حياتنا الشخصية والمهنية صناديق عديدة علينا أن نبحث عن "أفكار مبتكرة" خارجها كي نستطيع تطويرها وتحقيق التنمية والتطوير نحو حياة أفضل. لكل منا "صندوق شخصي" يحمل عاداته الشخصية وسلوكه تجاه الآخرين، إضافة إلى التزاماته بواجباته وأدائه لعمله. ولكل مؤسسة "صندوق خاص بها" يشمل رؤيتها ورسالتها ووظائفها وضوابطها ومدخلاتها ومخرجاتها. ولكل دولة "صندوق خاص بها أيضا" يجمع صناديق مؤسساتها وأفرادها في إطار تنظيمي متكامل. وبالطبع، هناك شركات متعددة الجنسية لها صناديق في مختلف الدول في إطار صندوق واحد يجمعها. ثم هناك لدول العالم مجتمعة صندوق واحد في إطار الأمم المتحدة ومنظماتها العديدة المتخصصة في مختلف المجالات. وتحتاج جميع هذه الصناديق إلى التطوير نحو الأفضل باستخدام أفكار حرة خارجها، بما يشمل الاستجابة للتطورات التقنية المتسارعة والمتجددة التي تميز هذا العصر، ناهيك أيضا عن العمل على الإسهام فيها، والاستفادة من معطياتها. ومن أمثلة ذلك، تطور التقنيات الرقمية التي تقود التحول الرقمي الذي يؤثر في مختلف نواحي الحياة، وفي جميع الصناديق القائمة، في شتى أنحاء العالم.
تحتاج جميع الصناديق القائمة، على مختلف مستوياتها وتعدد موضوعاتها، في شتى المجالات التقنية والاجتماعية والإنسانية، إلى "أفكار ومعطيات جديدة" من خارجها من أجل التطوير نحو الأفضل وتحقيق التنمية المنشودة. وهناك، على أساس ما سبق، أربعة توجهات لمثل هذه الأفكار. يهتم التوجه الأول بالتركيز على الأفكار والمعطيات التي تؤدي إلى "إنقاص" عوامل إعاقة العمل والترهل في الأداء. ويقضي التوجه الثاني بالبحث عن الأفكار والمعطيات التي تتطلب "زيادة" في عوامل تحفيز العمل ورشاقة الأداء. ويهتم التوجه الثالث بالنظر في الأفكار والمعطيات التي تقود إلى "استبدال" بعض المعطيات القائمة بما هو أفضل منها، من أجل تحسين مسيرة العمل وتطوير الأداء. أما التوجه الرابع، فهو التوجه نحو تقديم الأفكار والمعطيات التي تقود إلى "آفاق جديدة للتطوير المستقبلي" الذي نتطلع إليه.
إن مسؤولية المستقبل تقع دائما على عاتق الإنسان اليوم. ولا بد من ملاحظة أننا اليوم في عصر سريع الإيقاع لا ينتظر أحدا، شديد المنافسة على كافة المستويات، من مستوى الفرد إلى مستوى المؤسسة والدولة والعالم بأسره، عماده المعرفة والأفكار الجديدة والمتجددة في مختلف الموضوعات وتوظيفها والاستفادة من معطياتها. إن كل فرد فينا اليوم مسؤول عن المستقبل وتهيئة البيئة المناسبة للأجيال القادمة، وذلك ضمن حياته الشخصية والأسرية ودائرة تأثيره المهني خارجها. علينا أن نسعى إلى التطوير والتنمية، وتفكيرنا في هذا الأمر يجب أن يكون ابتكاريا متميزا لا ينحصر في إطار ما اعتدناه، فيما سمّيناه صناديق الأفراد والمؤسسات، إنما ينطلق خارج ذلك، متوخيا التفكر والتدبر ومجاراة إيقاع العصر، والإقدام على المنافسة، والاستفادة من المعرفة، وتوليد مزيد منها، وتوظيفها في التطوير وتحقيق التنمية المنشودة.

إنشرها