ثقافة وفنون

تغطية الأخبار وتحدياتها .. السرعة والتكنولوجيا والذوق العام

لا شك أن كتاب "التغطية الإخبارية الدولية بين الخطوط الأمامية والمواعيد النهائية" الذي يجمع مؤلِفاه؛ جون أوين وهيذر بيردي، بين تراكم عُدة نظرية، نتيجة الاشتغال الأكاديمي في تدريس مادة الصحافة في الجامعة، وخبرة عملية متحصلة خلال سنوات الممارسة العملية الطويلة في ميدان التغطية الإخبارية، يعد بالشيء الكثير وفق ما يظهر من عناوين الفصول الـ 14 المكونة للكتاب، التي أسهمت في تحريرها أسماء لامعة في مجال الصحافة الدولية.
يجد قارئ الكتاب نفسه عبر 350 صفحة متنقلا بين فصول مثيرة وغنية، تستحق أن تفرد لها كتب مستقلة، نظرا لما تتناوله من موضوعات راهنة وأسئلة مؤرقة تشغل بال المهتمين بالإعلام ممارسين وباحثين، كمشكلة تدفق الأخبار على مدار الساعة أو علاقة التكنولوجيا والسرعة بالذوق العام، إضافة إلى البحث في الأنماط الجديدة للصحافة مثل الصحافة المستقلة أو الصحافة التصويرية، علاوة على سرد بعض الصحافيين تجاربهم الحية أثناء تغطية أشهر الحروب والنزاعات والأزمات الدبلوماسية في العقود الماضية.
اختار جانين دي جيوفاني المراسلة الحربية في ثمانيات وتسعينات القرن الماضي، وصاحبة عدة كتب منها: "في آخر العالم" و"الجنون معبدا"؛ الذي تحول إلى فيلم روائي طويل عن حرب البلقان، أن تستهل فصول هذا الكتاب بورقة عنونتها بـ "الشهادة على الأحداث" حيث اعتبرت أن "ما يقدمه الصحافيون من إسهامات وما سجلوه من "روايات أولية لأحداث التاريخ" يبقى محط تقدير من كبار المؤرخين، ومحل استيعاب من صانعي السياسات، ومصدر تذكير بحقيقة الأمور موجها للسياسيين والمسؤولين".
فالصحافة الحقيقية؛ بحسب الراحل ديفيد هالبرستام، هي التي تبعث بمراسلين أكفاء إلى المناطق الصعبة والخطرة التي توشك أن تصير ذات أهمية، لكن قبل أن يعرفها الجميع. بمعنى أنها تغطي الأخبار حين تكون التغطية مجدية، وليس، كما هو الحال غالبا، أن تنقل الخبر بعد فوات الأوان بعد أن يفقد أهميته الحقيقية.
في فصل آخر، يأخذنا ديفيد شليزنجر رئيس تحرير وكالة رويترز في جولة عن "مستقبل الخدمات الإخبارية والتغطية الصحافية الدولية"، يمزج فيها الحكي والسرد بالنقد والاستشراف عن تاريخ الخدمات الإخبارية التي شكلت جزءا من التاريخ؛ على مدار أكثر من قرن ونصف القرن، وهي الآن تتنافس مع عملائها وقرائها أنفسهم في سبيل جذب الانتباه وتحقيق الأرباح.
فوكالات الأنباء بالنسبة إليه أشبه "بجزاري البيع بالجملة"؛ فكما يورّد هؤلاء الجزارون كتلا ضخمة من اللحوم إلى المطاعم، ثم تتولى هذه المطاعم تجهيز أصناف مختلفة من اللحوم، وتقديمها إلى زبائنها تحت اسمها التجاري الخاص. تنقل هذه الوكالات كميات كبيرة من الأخبار القائمة على الوقائع إلى الصحف حول العالم، التي تعيد بدروها صياغها ثم تقدمها مقابل سعر التجزئة الذي يدفعه قراؤها والمعلنون الراغبون في جذب انتباه هؤلاء القراء.
كانت الاعتبارات الاقتصادية الدافع وراء تأسيس الخدمات الإخبارية؛ فمعظم الصحف لا ترغب في تحمل تكاليف ابتعاث مراسليها حول العالم، وفي الآن ذاته لا ترغب في إهدار فرصة تغطية أهم الأخبار الواردة من خارج نطاقها المحلي. في المقابل، ترى هذه الوكالات أن صناعة الأخبار تجارة رائجة، فدائما ما "يكون ثمة حدث جلل يجري في مكان ما كل يوم وفي كل دقيقة"، ما عليها سوى الوصول إليه، ونقله إلى عملائها في كلمات وصور.
يحافظ شليزنجر على تفاؤله بشأن مستقبل وكالات الأنباء، فلا خوف عليها من هجوم التكنولوجيا واتساع رقعة صحافة المواطن وغير ذلك مما أضحى محط تخوفات وشكاوى، لأن الصحافيين العاملين في وكالات الأنباء بمنزلة الجنود المجهولين في عالم الصحافة؛ فمن النادر أن نعرف أسماءهم أو نلاحظها في المقالات الصحفية، غير أن تغطيتهم هي التي تغذي الصحف والبرامج الإخبارية الإذاعية والتلفزيونية، وحتى المواقع الإلكترونية الإخبارية.
فضّل نايجل بيكر المدير التنفيذي لوكالة أسوشيتد برس للأخبار الحديث عن "جبهات القتال الثلاث لوكالات الأنباء في القرن الحادي والعشرين"، فقيمة الاسم التجاري لأي وكالة إخبارية في الوقت الراهن يتوقف على دقة وصحة أخبارها أكثر من أي وقت مضى، بحيث تضمن الشركات الإعلامية أن التغطية الإخبارية لوكالات الأنباء سترسم صورة حقيقة وموثوق بها للأحداث، وذلك في عالم يعج بالمعلومات.
كانت السرعة على الدوام شرطا أساسيا في صناعة الأخبار، غير أن أهميتها تضاعفت أكثر من أي وقت مضى؛ في عصر التدفق الإعلامي والإنترنت وقنوات الأخبار التلفزيونية المتاحة على مدار الساعة. يطرح هذا متلازمة جديدة تفرض نفسها على وكالات الأنباء، فكلما ازداد عالم المعلومات ازدحاما وتسارعا، عظمت الحاجة إلى وكالات أنباء تكفل لنا اتساق التغطية الإخبارية ودقتها. إنها باختصار أمام تحدٍ ثلاثي الجبهات بتعبير بيكر "السرعة والتكنولوجيا والذوق العام".
تعرض بريدجت كيندال المراسلة الدبلوماسية المتمرسة في مساهمتها لأبرز التحديات التي قد تواجه أي صحافي يرغب في اقتفاء آثارها في مجال الصحافة الدبلوماسية. يعد التفكير الاستباقي أول التحديات، فالصحافي مطالب بمعرفة ما يجري بالفعل على أرض الواقع، لأن العادة جرت أن تختتم أغلب المؤتمرات والقمم ببيانات مبهمة، لكن الصحافي النبيه هو من يحسن الاستعداد ليصل إلى تقييم ما إذا كانت النتائج النهائية تفوق التوقعات أم لا ترقى إليها.
كما أن التوقع مطلوب وبشدة، لأن المفتاح الحقيقي لاستشراف الأحداث يكمن في تجميع المعلومات الأساسية، التي قد لا يستخدمها أبدا، لكنها تعزز حكمه وتقديره للمواقف. إلى جانب امتلاك القدرة على فك الشفرة الدبلوماسية، وهي مهارة لا تُتعلم، إنما تُكتسب مع مرور الوقت. ومن الأمثلة الحية التي تسردها بشأن هذه المهارة، ما يتعلق باللقاء التاريخي بين الرئيسين جورباتشوف وريجان في ريكيافيك سنة 1986، الذي انتهى بعدم التوصل إلى أي اتفاق. خلاصة توصلت إليها الصحافية من امتناع الرجلين عن المصافحة عقب الخروج إلى الصحافيين.
مقابل ذلك، تحذر من تسرب داء الشك إلى الصحافي الدبلوماسي، الذي قد يدفعه إلى استبعاد المعلومة مرة أو مرتين، بدعوى أنها على الأرجح من قبيل المراوغة، ومن ثم لا قيمة لها، ثم يندم بعدها حين يتبين له أن هذه المعلومات كانت تتعلق بحدث أكثر إثارة للاهتمام بكثير مما توقع.
يجد قارئ الكتاب وهو يصل فصوله الأخيرة نفسه أمام صورة واضحة المعالم بشأن ماضي وحاضر ومستقبل صناعة الأخبار، مع ركام من الأسئلة العالقة واللا متناهية حول التفاصيل التي تشكل هذه الصورة. فمن تحدي المنافسة إلى الإغراق المعلوماتي مرورا بالمعايير العالمية للأخلاق الصحافية والموضوعية والحياد في نقل الأخبار، يجد القارئ نفسه حائرا أمام أسئلة معلقة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون