FINANCIAL TIMES

الدمج والاستحواذ .. الصدام الثقافي كثيرا ما يدمر قيمة المساهمين

الرسوم الجمركية، والحروب التجارية، والنزعة القومية المتصاعدة ربما كانت تتصدر العناوين الرئيسة، لكنها لم تفعل شيئا لإفساد عقد الصفقات العالمية. حتى الآن تم الإعلان عن أكثر من 2.5 تريليون دولار من عمليات الاندماج والاستحواذ هذا العام، وإن استمرت الوتيرة على هذا النحو فمن المرجح أن يتجاوز عام 2018 خمسة تريليونات دولار تم إنفاقها صفقات الدمج والاستحواذ عام 2015.
يعكس هذا، جزئيا، نهاية دورة طويلة من الأموال السهلة التي تتطلع فيها الشركات للحصول على آخر قطرة من الفوائد التي يمكن أن تجنيها من أسعار أسهمها. بعض أكبر صفقات الاندماج بين الشركات، مثل إيه تي آند تي وتايم وورنر، أو ديزني وفوكس، أو سي في إس وإيتنا، تتعلق بالشركات التقليدية التي تحاول التنافس مع مجموعات الإنترنت الكبيرة من خلال بناء الحجم. وفي كلتا الحالتين يجدر بنا أن نتذكر أن أكثر من نصف جميع عمليات الاندماج تدمر قيمة المساهمين. فكر في الحالات التحذيرية المتمثلة في اندماج أمريكا أون لاين مع تايم وورنر، وكويكر مع سنابل، ودايملر مع كرايسلر.
ما الذي يميز عمليات الاندماج الناجحة عن الحالات التي فشلت؟ إلى حد كبير، هو وجود تناسب ثقافي جيد. بطبيعة الحال، تستند ثقافة الشركات إلى عديد من الأمور: البلد التي نشأت فيه الشركة، ونوعية المواهب التي تحتاج إليها، ونوع الصناعة التي هي جزء منها وما إلى ذلك. لكن كل هذه الأمور يمكن تصنيفها بطريقة ثنائية: هل الثقافة "صارمة" أم "مرنة"؟
وفي حين أن جميع الثقافات لها قواعدها، إلا أن القواعد الصارمة منها - سواء كانت موجودة في البلدان أو الشركات - تميل إلى أن يتم فرضها بصورة متشددة إلى حد كبير، بينما تكون المرنة أكثر تسامحًا - حتى أنها مشجعة – من حيث كسر القواعد.
ميشيل جيلفاند، أستاذة علم النفس في جامعة ميريلاند ، التي استخدم بحث خاص بها حول المعايير الثقافية من قبل وزارة الدفاع الأمريكية وعدد من الشركات متعددة الجنسيات، تشير إلى أن بلدانا متنوعة مثل اليابان والنرويج وسنغافورة والهند جميعها لديها ثقافات صارمة. وعلى النقيض من ذلك، تصنف بلدان مثل إسرائيل وهولندا واليونان والولايات المتحدة بأنها أكثر مرونة.
وتظهر نتائج دراستها التي شملت 33 دولة ـ تم نشرها لأول مرة في مجلة ساينس في عام 2011 ـ أن أعلى مستويات الصرامة كانت في دول جنوب وشرق آسيا، يليها الشرق الأوسط، والدول الاسكندنافية أو الجرمانية في أوروبا. أما الدول اللاتينية، والناطقة بالإنجليزية، والدول الشيوعية سابقا فهي الأكثر مرونة. وقد يكون المثال الأخير، جزئيا على الأقل، ردا على فترة الحكم السوفياتي الصارم. الثقافات المتطرفة يمكن أن تستثير رد فعل مضاد، وهذا ربما يكون أحد الأسباب في أن ظهور النخبة الساحلية الليبرالية في الولايات المتحدة قوبل بنزعة شعبوية يمينية متطرفة في قلب البلاد – وهذا بدوره يؤجج حتى مزيدا من سياسة الهوية الأكثر تطرفا في معسكر اليسار.
إن فهم هذه الديناميكيات أمر بالغ الأهمية في التصدي ليس فقط لسياسات التغيير المتطرفة التي تم اخاذها في عديد من البلدان، بل أيضا لاحتمال نجاح العدد الكبير الحالي من عمليات الاندماج والاستحواذ.
على الصعيد العالمي تضاعفت الصفقات عبر الحدود تقريبا، مقارنة بالنصف الأول من العام الماضي، ما يعني أن الصراع الثقافي يمكن أن يلعب دورا أكثر أهمية في عمليات الاندماج والاستحواذ بشكل أكثر من المعتاد. هذا ما توضحه البروفيسورة جلفاند في كتابها القادم بعنوان "واضعو القواعد وكاسرو القواعد: كيف تعمل الثقافات الصارمة والمرنة على ربط عالمنا"Rule Makers, Rule Breakers: How Tight and Loose Cultures Wire Our World، من خلال إجراء أبحاث على ستة آلاف عملية اندماج كبيرة في أكثر من 30 دولة في الفترة من 1980 إلى 2013.
ووجدت أن الفجوة الكبيرة بين ثقافات الشركات الصارمة والمرنة، المشاركة في عمليات الاندماج، أدت إلى انخفاض سعر السهم إلى أقل من المتوسط، وإلى عائد على المستثمر أقل كثيرا من العائد الذي يجنيه من الصفقة الأنموذجية. أكبر الفجوات التي تم تحليلها أدت إلى خسارة 30 مليون دولار في غضون خمسة أيام من الإعلان، الأمر الذي يعني فيما يبدو أن الأسواق تدرك الفجوات الثقافية حتى عندما لا يدرك ذلك المشترون أنفسهم.
كل هذا يشير إلى أنه ربما ينبغي أن يكون المستثمرون سعداء لأن إدارة ترمب منعت في آذار (مارس) شركة برودكوم، وهي صانعة رقائق سنغافورية، من شراء شركة التكنولوجيا الأمريكية، كوالكوم. فالشركتان من بلدين، على الأقل وفقا لأبحاث البروفيسورة جلفاند، من غير المرجح أن تنسجما مع بعضها كما يجب. ونظر للمناخ السياسي، ربما يكون من المريح أيضا أن تصبح صفقات الشركات عبر الحدود بشكل عام أكثر صرامة في الولايات المتحدة.
لكن مثل هذه التحديات لا تقتصر على الصفقات العالمية. إذ يمكن للشركات في بلد واحد أن يكون لديها ثقافات مختلفة بشكل كبير. خذ، مثلا، في صفقة أمازون وهول فودز الأخيرة التي ربما تعطينا سببا للشعور بالقلق. ففي حين أن عديدا من شركات الإنترنت لديها ثقافات مرنة للغاية (أوبر أو فيسبوك، مثلا)، مؤسس "أمازون"، جيف بيزوس، يدير شركته من خلال هيكل صارم يتدرح من أعلى إلى أسفل.
ويرجع هذا جزئيا إلى أن "أمازون" مدفوعة بالمتطلبات الدقيقة جدا للصناعات التحويلية واللوجستية. لذلك تتم مراقبة الأداء وتقييمه ومراجعته باستمرار. وهذا يتناقض تماما مع شركة هول فودز التي تتمتع بثقافة أكثر مرونة يمكن أن تعزى إلى جذورها الهيبية (أسسها هيبيون لبيع أغراض الهيبيين) وهوامش أرباحها العالية ـ الشركات التي تتعرض لتهديدات تنافسية أقل يمكن أن تكون أكثر مرونة.
لا عجب أن هناك الآن قصصا عن بكاء بائعي البقالة على وظائفهم وعلى أرفف متاجر هول فودز التي أصبحت فارغة. هذا النوع من الصدام الثقافي لا يبشر المستثمرين بالخير.
تعزيز التنوع ليس بالأمر السهل، لكن أفضل الشركات تفعل ذلك. تتأثر مجموعات الإنترنت الصينية، مثل علي بابا أو بايدو، بقيود الدولة، ومع ذلك تجد طرقا لتبقى مبدعة وذكية. أي عدد من الشركات الأمريكية والأوروبية متعددة الجنسيات قادر على تعزيز أقسام البحوث والتطوير المرنة التي تعمل جنبا إلى جنب مع عمليات التصنيع الصارمة. الحل، لا سيما في عمليات الاندماج، ألا يكون المرء عاجزا عن رؤية الأشياء على طبيعتها. ثمرة الزواج المؤسسي الناجح تأتي عندما يعرف كل شريك ما يجلبه إلى الطاولة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES