سلاسل القيمة العالمية

|
تقسم العمليات الإنتاجية على مراحل لزيادة إنتاجية العمالة حتى لو تمت في مكان واحد، حيث تضاف قيمة في كل مرحلة. وكلما ازداد تعقيد المنتج ازداد عدد مراحل الإنتاج. في السابق كانت المواد الأولية تجلب إلى مكان ما ثم تتم باقي العمليات الإنتاجية تحت سقف واحد. بعد ذلك بدأ كثير من الشركات توزيع المراحل الإنتاجية في أماكن مختلفة داخل البلدان. وفي العقود الأخيرة قادت التطورات الاقتصادية الناتجة عن انخفاض تكاليف الشحن والاتصالات، وانتشار الإنترنت، وانخفاض الحواجز التجارية، وانفتاح وتشجيع البلدان للاستثمار الأجنبي، وزيادة عدد مراحل الإنتاج وتعقدها في كثير من المنتجات، وازدياد المنافسة، إلى توزيع مراحل الإنتاج على دول متعددة أو ما يمكن تسميته بسلاسل القيمة "أو الإنتاج" العالمية. ولم تقتصر سلاسل القيمة العالمية على المنتجات، بل امتدت إلى الخدمات التي تدخل في مراحل إنتاجها. وتكون الخدمات كالأبحاث والتصاميم، والتسويق، والتأمين، والشحن، والتمويل جزءا كبيرا من القيمة المضافة في السلع والمنتجات. وتمتد سلاسل القيمة العالمية في الوقت الحالي إلى قطاعات الخدمات الخالصة كالرعاية الطبية والمصارف والتأمين والأبحاث والدراسات. ازدادت جاذبية سلاسل القيمة العالمية لنتائجها الإيجابية لاقتصادات كثير من الدول ـ خصوصا بعض الدول الآسيوية ـ وتمكين تلك الدول من دخول صناعات تتعذر إقامتها محليا بالكامل لتعقدها أو لارتفاع تكاليفها أو لانخفاض كفاءة المنتجين المحليين. فمثلا ليس من السهل إقامة صناعة متكاملة للطائرات أو السيارات أو الحواسيب وفيها مراحل إنتاجية كثيرة، ولكن يمكن القيام بمرحلة أو عدد معين من مراحل إنتاج هذه المنتجات في أي بلد في العالم عند توافر البيئة التنافسية، وزيادة عدد المراحل مع مرور الوقت. تساعد سلاسل القيمة العالمية في انتشار ونقل التقنية وزيادة عدد الوظائف ورفع الأجور ما يدعم معدلات النمو الاقتصادي في الدول التي تحسن التعامل معها. من جهة أخرى ازدادت رغبة الشركات وخصوصا الكبيرة منها في تقسيم مراحل الإنتاج لتعظيم أرباحها، حيث يمكن خفض تكاليف أي مرحلة إلى الحد الأدنى عندما تصنع في دولة معينة. كما تمكن سلاسل القيمة العالمية الشركات من تجاوز الحواجز الجمركية وغير الجمركية من خلال إقامة صناعة داخل دولة أو منطقة تجارة حرة تكتسب فيها صفة الصناعة الوطنية إذا أضافت حدا أدنى من القيمة المضافة. تختلف شركات سلاسل القيمة العالمية عن الشركات متعددة الجنسية بكونها تعتمد على العلاقات بين المنتجين في الدول التي تتوزع بينها العمليات الإنتاجية، بينما كانت الشركات متعددة الجنسية تملك وتدير مراحل الإنتاج في دول مختلفة. وبهذه الصورة يمكن اعتبار الشركات المالكة للعلامة التجارية والمصممة للمنتج شركات قائدة لمراحل الإنتاج من خلال التصميم والإبداع والاختراع والتسويق والتنسيق، بينما تقوم الشركات المتعاونة أو المتشاركة داخل كل بلد بالعمليات الإنتاجية من خلال عقود مع الشركة القائدة. وقد نجح عديد من الشركات العالمية الكبرى في تكوين سلاسل إنتاج عظمت أرباحها من خلال استغلال المزايا النسبية في دول متعددة مخفضة تكاليف الإنتاج لأدنى حد ممكن. وتمكنت شركة مثل شركة أبل من تحقيق أرباح ضخمة تفوق جميع تكاليف الإنتاج في الدول خارج الولايات المتحدة من خلال نشر سلاسل إنتاجها في دول متعددة. ويسري الحال على معظم شركات الماركات المشهورة حول العالم التي تنخفض تكاليف تصنيع كثير من منتجاتها في الدول النامية إلى ما يقل عن 10 في المائة من السعر النهائي للسلعة، بينما تحصل الشركات القائدة على معظم المكاسب. ينتقد معارضو سلاسل الإنتاج العالمية ممارسات الشركات القائدة ويرى أنها تزيد الفروق بين الدول النامية والدول المتقدمة حيث تركز مراحل الإنتاج منخفضة القيمة في الدول النامية وتركز المراحل عالية القيمة في الدول المتقدمة ما يزيد الفوارق والاستقطاب بين الدول النامية والمتقدمة. في المقابل يعترف حتى المعارضين بأن دولا متعددة استفادت من هذا النوع من الشركات وعلى رأس هذه الدول الصين والهند حيث ساعد امتزاج التقنية مع انخفاض تكاليف الإنتاج في نقل التقنية ودعم معدلات النمو الاقتصادي فيهما. تقول مصادر البنك الدولي إن تجارة سلاسل القيمة العالمية تسهم بما يصل إلى 70 في المائة من إجمالي تجارة السلع والخدمات الكونية، لهذا فإن الدول النشطة في هذا المجال تحقق بيانات تجارتها الخارجية مستويات مرتفعة، ولكن ليس من الضروري أن تكون بيانات الصادرات الضخمة لبعض الدول دليلا على ارتفاع القيمة المضافة للمنتجات العالمية داخلها. للاستفادة من تجارة سلاسل القيمة العالمية لا بد أن تعزز الدول تنافسية عوامل الإنتاج المحلية التي تزيد مزاياها النسبية وتجذب إنتاج القيم العالية. وسيرفع الاستثمار في رؤوس الأموال البشرية ـ من خلال التعليم والتدريب والرعاية الصحية ـ تنافسية العمالة، كما سيساعد توفير المعلومات الضرورية وذات الجودة العالية للأعمال ورجال الأعمال المحليين في مشاركة الشركات القائدة والرائدة حول العالم. إضافة إلى ذلك ينبغي تبني سياسات تسهيل تدفق التجارة والاستثمار وإنشاء البنية الأساسية اللازمة، وزيادة ترابط الإنتاج المحلي مع هذه السلاسل، وتحسين وتيسير بيئة وتكون الأعمال، والتخلص من العوائق البيروقراطية.
إنشرها