الحد الأدنى للرواتب .. من أين يبدأ الحل؟

|
الحد الأدنى للأجور حل لمشكلة المنافسة الشديدة بين العمال على الوظائف، فإذا زاد عدد العمال على الحد الذي يحتاجه الاقتصاد، انخفضت الأجور بشكل مخيف، حتى تصل حد الكفاف، وقد جاءت الحلول بالحد الأدنى للأجور، مع السماح بنسب بطالة معينة تعالجها الحكومات من خلال المساعدات الاجتماعية. والسؤال: هل لدينا مشكلة منافسة في الوظائف؟ وهل الحل المنشود لها هو الحد الأدنى للأجور، على الأقل في هذه المرحلة؟ نص : من الصعب مناقشة المشكلة الاقتصادية دون فهم واقعها الاجتماعي، فعندما جاء آدم سميث بنظريته في "ثروة الأمم"، كان يقدم تبريرات فلسفية لما كان يشاهده فعلا، ولأنه كان إنجليزيا مؤمنا بالفلسفة الحتمية الإنجليزية، التي تنظر إلى الوجود على أنه ميكانيكي حتمي لا مجال لتغيير ديناميكيته، وأن دور العلم "والعالم" هو فقط اكتشاف هذه الميكانيكية وتفسيرها. هذه البيئة الاجتماعية الفلسفية التي عاشها آدم سميث جعلته ينظر إلى العمال كأنهم آلات فقط، وأن الرأسماليين هم أصحاب الحق في الثروة والاستمتاع بها. لقد كان يفسر ما يراه فقط، ولم يكن آدم سميث معنيا بقبول أو رفض هذا السلوك الاجتماعي المشين. بعد نظرية آدم سميث، ازدهرت الحتمية الإنجليزية، ليس لأنها صحيحة، بل لأنها منحت الأسواق والتجار والحكومات كل ما تحتاج إليه لإخضاع العمال لقهر العمل المضني والرضا بالكفاف في مقابل ذلك، بل حتى الرضا بما هو دون حد الكفاف، وما يكفي للبقاء على قيد الحياة. وحتى عندما انتشر الفقر والبؤس في المدن الصناعية وما حولها، كانت فلسفة آدم سميث الحتمية، ومن تبعه بعدها، مثل هربيرتسبنسر وغيره، يقدمون تفسيرات مرضية لضمير الجشع الرأسمالي، عندما قالوا حينها إن العمال هم سبب فقرهم، لأنهم يتكاثرون ويتناسلون دون قيد أو حد، ودون أن يكون هناك إنتاج كاف لتوفير وظائف كافية لهم. ولأن الاقتصاد حينها لم يعرف بعد مفهوم الحد الأدنى للأجر، فلم ينظر إليه، ولهذا انحدرت أجور العمال كلما زاد عددهم بسبب تنافسهم على الوظائف، فالعمال إذن هم السبب في فقرهم وليس الرأسماليين. لقد كان العالم في حاجة إلى بضعة قرون قبل أن تنهار الحتمية الإنجليزية وفلسفتها على يد المثاليين الألمان، وعلى رأسهم كانط، الذي مهد الطريق إلى ماركس، ليهدم ببراعة تبريرات الاقتصاديين من آدم سميث ومن بعده. لقد أثبت أن المشكلة الأساس ليست في العمال وكثرتهم، بل في التوزيع العادل لعوائد الإنتاج. لقد أعاد تفسير الإنتاج والتوزيع بطريقة مثالية بحتة، وأن مشكلة الاقتصاد هي أن مَن يمتلكون وسائل الإنتاج هم مَن يضعون العقود والقوانين، وأن على الباقين تحمل أوزارها. لقد نظر كثيرا، وتحدث عن كثير، وماجت من بعده الشعوب، واندلعت الحروب، حتى قامت الثورة البلشفية، وعم الخوف جميع دول الغرب الرأسمالية، وكان عليها أن تبحث عن حل سريع لمعالجة أخطاء تفسيرات آدم سميث والحتمية الإنجليزية، خاصة أن "نسبية" أينشتاين قد ضربت بأعطانها في علم الفلسفة. ولمعالجة كل تلك الآثار الخطيرة التي نشأت، وللمحافظة على قلب النظرية الرأسمالية من العطب، ومن ثم نهاية العالم الرأسمالي الغربي إلى الأبد، وجدت الديمقراطية الغربية مخرجا مهما، من خلال القيام بإصلاحات اجتماعية وعمالية كبيرة، والوعد بدولة الرفاهية، وأصبحت للعمال أحزاب ونقابات تدافع عن حقوقهم، وإصلاحات كبيرة في مجالات الرعاية الاجتماعية والضرائب والتقاعد والرعاية الصحية، ومن بين أهم الحلول التي نشأت لإصلاح عيوب نظرية التوزيع، جاء حل الحد الأدنى للأجور، الذي يجبر أصحاب رؤوس الأموال على حد أدنى لا يمكن النزول عنه مهما بلغت المنافسة بين العمال على الوظائف، وأن معيار المنافسة يجب أن يكون على المؤهل والتدريب والجودة، وهذا فتح الباب بعد ذلك على مصراعيه للجامعات والتعليم والإصلاحات الإدارية، لتأخذ موقعها المهم في الاقتصاد الحديث. إذن، فالحد الأدنى للأجور حل لمشكلة المنافسة الشديدة بين العمال على الوظائف، فإذا زاد عدد العمال على الحد الذي يحتاجه الاقتصاد، انخفضت الأجور بشكل مخيف، حتى تصل حد الكفاف، وقد جاءت الحلول بالحد الأدنى للأجور، مع السماح بنسب بطالة معينة تعالجها الحكومات من خلال المساعدات الاجتماعية، والسؤال: هل لدينا مشكلة منافسة في الوظائف؟ وهل الحل المنشود لها هو الحد الأدنى للأجور، على الأقل في هذه المرحلة؟ في المقال الماضي حددت المشكلة، وهي أنها تبدأ من إصلاح سوق العمل، ذلك أن عدد العمال الأجانب يفوق بشكل كبير حاجة الاقتصاد، ولهذا تتراجع الرواتب. بمعنى آخر، نحن نستورد مشكلة اقتصاد الآخرين، ونريد حلها هنا، لذا لا بد من حل مشكلتنا نحن في الأساس، وهي في إجبار العمال الأجانب على رفع مستوى الطلب على الأجور، وهذا لن يحل إلا من خلال الندرة الأساسية، هكذا تقول النظرية الاقتصادية، ومهما جاءت حلول القانونيين فلن تحلها أبدا.
إنشرها