ثقافة وفنون

أحمد بوزفور.. شاعر فاشل هاجر سرا إلى القصة

بدأ القاص المغربي أحمد بوزفور؛ منذ مطلع السبعينيات، يراجع رؤية الأسلاف، بما احتوته من ميكانيكية الوصفة الواقعية والملتزمة قسرا وتكلفا، مقرونة بعجز لغوي رهيب، وخيال شبه منعدم مسقوف بقرميد الإيديولوجيا والفكرة المسبقة، حيث كان للأدب حينها مفهوم الرسالة.
دفعت هذه المراجعات صاحب "صياد النعام" (1993) إلى خوض غمار التجديد في كتابة فن القصة القصيرة، معتبرا أن هذا الفن الأدبي يتحول وهو يكتب، مشيرا إلى أن القصة القصيرة تفاجئ الكاتب قبل القارئ. وفسر ارتباطه بالقصة بالمزاج، موضحا أن هناك أدباء مزاجهم روائي، وآخرين قصصي.
تضاف "المدنية" إلى "المزاجية" في تفاعلهما، قصد صناعة قامة قصصية بحجم أحمد بوزفور. فقد كان دخوله عالم المدينة؛ الذي أفقده الحرية بتعبيره، عنصرا حاسما في ذلك، إذ لو بقي في القرية؛ برحابتها وآفاقها اللامحدودة، لأصبح شاعرا. لكنها تبقى مجرد أمنية، فالرجل طالما اعترف، في أكثر من جلسة، أنه يقرأ الشعر باستمرار، ويحاول كتابته فلا ينجح، فيهاجر إلى القصة. وكما جاء على لسانه صراحة: "يبدو لي أنني مجرد شاعر فاشل (هاجر سرا) إلى القصة".
بيد أن مغامرة التجريب في رحاب القصة القصيرة استهوته، لا بل سلبته نفسه، حين يجيب عن السبب وراء عدم تحوله إلى كتابة الرواية، كما يفعل كثيرون من كتاب القصة القصيرة، بقوله: "لا أحد يمنعني من كتابة الرواية. لكنني أحب القصة وأجد في كتابتها متسعا لأحلامي، وأنا أتساءل لماذا يتضايق الناس من بقائي في القصة؟ ها أنا ذا أقف جانبا وأتنحى عن طريقكم. مُرُّوا إلى كتابة الرواية. بالنسبة إلي فات الأوان على أن أكتب في جنس أدبي آخر. انحنى ظهري مع هذه القصة، حتى إنني لو حاولت أن أستقيم لانكسر".
باستثناء صديق السلحفاة محمد زفراف، يبقى بوزفور أب القصة القصيرة الحديثة، ومرسِّخ عمادها في المغرب، وواحد من معلميها في العالم العربي. ليس اعتمادا على معيار ما يكتب فقط، بل لمحاولات التي لا تتوقف عن التجريب، لدرجة اعتبر فيها نفسه ذات مرة مجرد كاتب تجريبي "إنني متقلّب هاوٍ وتجريبي، وأحس أنني أبدأ مع كل نص جديد أكتبه"، إنه إدراك ووعي بخطورة المغامرة، وقبلهما قلق الكاتب الذي يقر بصعوبة اللعبة قائلا: "الكتابة تدريب يستمر طوال الحياة. لا نترسم أبدا. الكتابة تجريب يستمر طوال الحياة. لا ننضج أبدا".
تكشف مراجعة الخزانة المغربية أن مؤلف "يحدثونك عن القتل" (1971) من المقلين في التأليف. لكن قراءة متفحصة لعمل واحد تكفي لاكتشاف العلة وراء هذا الاختيار. فالرجل في محراب القصة القصيرة أشبه بصائغ يتوخى الدقة، ويحرص على إتقان صنعته، ويتفانى في بضاعته. وله من أجل تحقيق ذلك المبتغى أدوات يشحذها، منها اللغة؛ أسلوبا وإيقاعا، وكيفية استخدام الخيال، لا الخيال ذاته.
نعم، إن مكمن السر في اللغة، كيف لا والرجل يقدم القصة القصيرة بأنها "نص مكتوب أو كتابي، يُنقل بصيغته فضلا عن محتواه. وهو لذلك نص سردي ولغوي تكمن جمالياته ليس فقط فيما يسرده، بل، وأساسا، في لغته التي يسرد بها". ولا يتردد في مواجهة الكتاب الجدد، بما اعتبره عبر تراكم السنين حقيقة، "أيها الكتاب الجدد: القصة مدرسة لغة، ونحن كلنا تلاميذ في صفوفها الأولى".
حرص شديد على اللغة، دفعه إلى الاستغراب حين وجد نصوصا رديئة اندهش لجرأة أصحابها، لا بل حسدهم على هذه الجرأة. معلقا "أنا الجبان في النشر على الشبكة. لكنني مستاء من كم الأخطاء اللغوية والنحوية فيما يُكتب بالعربية، ولا أعرف هل يعود ذلك فقط إلى سرعة الرقن والنشر قبل المراجعة والتصحيح، أو يعود إلى ضعف الرصيد اللغوي لدى بعض الكتاب". تعتمد القصة عند بوزفور على التراث الشعبي للمغرب العميق، من خلال اكتشاف متاهات عبر الشك والسخرية والنقد الموجه للأيديولوجيات والأوهام التي يعتقد أنها حقائق دامغة. إنه يحاول نقل المواطن البسيط من كائن هلامي إلى فرد مستقل بمفهوم علم الاجتماع الحديث.
وهذا ما نجد صداه في بعض من مؤلفاته، ففي مجموعة "النظر في الوجه العزيز" (1983)، يقدف بنا في وسط الصراع الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي، وما يحكم ذلك من أسئلة مؤرقة حيال الأيديولوجيات. أما مجموعة "الغابر الظاهر"، فتطرح سؤال البحث عن هوية مغربية متميزة، فالجواب الذي قدمته الحركة الوطنية من منظور بوزفور لم يعد كافيا، لأن البحث المنهجي والعميق في المغرب (المكان، الزمان، والعلاقات...) يوضح بما لا يدع مجالا للشك أن هناك اختلافا وتنوعا كبيرين في الرأسمال الرمزي على امتداد النطاقات الجغرافية المكونة للبلد، بل وأحيانا نقف على التباين والتنوع داخل النطاق الواحد. ومن جهتها، يخاطب فينا بوزفور في مجموعة "ققنس" (2002)، وهو طائر أسطوري كلما اقترب من الموت زاد غناؤه جمالا وبهاء، الأحلام والأماني.
خلقت "ققنس" أزمة حادة في الساحة الثقافية المغربية، حين رفض بوزفور قبول جائزة وزارة الثقافة عنها، قائلا: "لا يمكن أن أقبل جائزة وزارة الثقافة عن كتاب طبعت منه 1000 نسخة، ولم أوزع إلا 500 نسخة في أسواق شعب من 30 مليون نسمة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تفشي الأمية والجهل في بلدي، وفشل برامج الحكومة في محو هذه الأمية، لأنها اكتفت بخطابات مزورة على شاشة التلفزيون وفي وسائل الإعلام الرسمية بأنها تحارب الأمية".
نشير أخيرا إلى أن صاحب "نافدة على الداخل" (2013) يقسم كتاب القصة القصيرة تقسيما غريبا، فهم بحسبه صنفان: "حَمَل وديع لا يؤذي الناس ولا يصدم توقعاتهم، لكنهم يأكلونه في النهاية، فينتهي ويذوب، وذئب يبتعد باستمرار عن الجماهير ليحافظ على حريته وفرادته. إذ يقول في هذا السياق، إنه مضطرب بين الحمل والذئب، رغم أنه أشار إلى أنه يصعب الجمع بين الماء والنار في يد واحدة، لأنه يحب الناس، مثلما يحب حريته أيضا".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون