ثقافة وفنون

واحة الأحساء.. درس حضاري لتفوق الإنسان وتفاعل ثقافاته

كثيرا ما يغيب عن الإعلام تسليط الضوء على المواقع التاريخية والتراثية التي يزخر بها الوطن، ومنها واحة الأحساء، التي دخلت قائمة "اليونسكو" لمواقع التراث العالمي، اعترافا بقيمتها الثقافية والتاريخية والحضارية.
الأحساء عبر قرون ممتدة، ظلت واحة للثقافة والأدب والفنون، ومعروفة بعمقها التاريخي، وتزخر بعقول سعودية، كانت - ولا تزال - تؤثر في المشهد الثقافي السعودي.

على خطى 2030
يبدو أن واحة الأحساء استطاعت أن تخطو بالمملكة نحو أهداف رؤية 2030، فالرؤية - التي رأت النور في عام 2016م - تعتزم رفع عدد المواقع الأثرية المسجلة في "اليونسكو" إلى الضعف.
وقال بيان صادر عن "اليونسكو": هذه الواحة الواقعة في الجزء الشرقي من شبه الجزيرة العربية، تزخر بالحدائق وقنوات الري وعيون المياه العذبة والآبار وبحيرة الأصفر ومبانٍ تاريخية ونسيجٍ حضري ومواقع أثرية تقف شاهدة على توطن البشر واستقرارهم في منطقة الخليج منذ العصر الحجري الحديث حتى يومنا هذا.
ونوّه البيان بالميزة التي تتفرد بها واحة الأحساء؛ حيث تُعَد أكبر واحات النخيل في العالم.
من جهته، قال مندوب السعودية في "اليونسكو" إبراهيم البلوي خلال كلمته في اجتماع لجنة التراث العالمي: واحة الأحساء هي المثال الناجح على مستوى العالم لكيفية استطاعة الإنسان التكيف مع آخر تغير مناخي حدث في الأرض.
وكانت هيئة السياحة قد سجلت خلال السنوات السبع الماضية أربعة مواقع تراثية، إذ تم تسجيل مدائن صالح في عام 2008م، ثم شهد عام 2010م تسجيل حي الطريف بالدرعية التاريخية، وفي 2014م دخلت القائمة جدة التاريخية، تلا ذلك بعام، في 2015م، تسجيل الرسوم الصخرية في موقعي جبة والشويمس بقائمة "اليونسكو"، لتحل واحة الأحساء خامساً.
وتعد الواحة إحدى عشرة مواقع وافق المقام السامي على طلب تسجيلها لدى منظمة "اليونسكو" خلال السنوات القادمة، حيث تضم القائمة، إضافة إلى واحة الأحساء: الفنون الصخرية في بئر حمى، قرية الفاو بمنطقة الرياض، طريق الحج المصري، طريق الحج الشامي، درب زبيدة، سكة حديد الحجاز، حي الدرع بدومة الجندل، قرية ذي عين التراثية بمنطقة الباحة، وقرية رجال ألمع التراثية بمنطقة عسير.

واحة نخيل محاطة بالرمال
تعد واحة الأحساء أكبر واحة نخيل محاطة بالرمال في العالم، لتكون أشهر الواحات على الإطلاق، التي تزخر بعيون المياه العذبة، ويقف فيها 1.5 مليون نخلة منتجة للتمور.
يعود عمق الواحة التاريخي إلى الألفية الخامسة قبل الميلاد، إذ تميزت بنشاط زراعي كبير عبر التاريخ، فعرفت أساليب زراعية متنوعة وأنظمة ري متطورة، واللافت أنه تم الكشف عن قنوات ري تمتد على طول الأجزاء الشرقية للواحة، تحمل الماء من العيون والينابيع إلى الأراضي الزراعية.
عنوان ملف المملكة خلال الاجتماع الـ42 للجنة التراث العالمي المنعقد في المنامة جاء بعنوان "الأحساء مشهد ثقافي متطور"، وهو عنوان استطاع أن يستوعب المعطيات كافة.
فعلى مساحة إجمالية تفوق 85 كيلو مترا مربعا، توجد الواحة الصحراوية الأكبر في العالم، حيث تشكل مشهدا ثقافيا متطورا، يتضمن بساتين النخيل، القنوات، العيون، الآبار، بحيرة الصرف المائي، مناطق أثرية شاسعة، ومجموعة مختارة من التراث العمراني داخل مستوطناتها التاريخية، التي تجسد أهمية الواحة باعتبارها مستوطنة تقليدية كبرى طوال 500 عام الماضية.
وتمتلك واحة الأحساء "طوبوغرافية" واضحة تتمثل في مجموعة العناصر كالعيون المائية، والكهوف، والجبال، والسهول، والقنوات الحديثة والتاريخية، وأساليب رفع المياه، والمستوطنات البشرية ومناطق الصرف الطبيعية.
وتعتبر واحة الأحساء، أكبر واحة في العالم، وقد حافظت على تماسك جغرافيتها الأصلية ووظائفها الاقتصادية والاجتماعية كمركز زراعي رئيس لشبه الجزيرة العربية، ومركز اقتصادي مهم يرتبط منذ الحضارات العالية إلى بقية الخليج والعالم.

زراعة ومياه
بحسب بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة، بلغ عدد الحيازات الزراعية في الواحة أكثر من 25 ألف حيازة، فيما يقدر إنتاج النخيل أكثر من 100 ألف طن من التمور سنوياً.
كما ينتشر في الواحة زراعة الفواكه جنبا إلى جنب مع زراعة التمور، التي تقدر بنحو 400 ألف شجرة فاكهة، يبلغ إنتاجها السنوي 13 ألف طن.
وتشير المعلومات إلى أن الينابيع المتدفقة طبيعيا في واحة الأحساء تتوفر عن طريق تكوين النيوجين في معظمها، وهي مياه قادمة من الجهة الغربية والجنوبية الغربية، كما يكمن سبب تجمع المياه في الواحة بالذات بسبب إحاطة صدع الغوار بالواحة بشكل هلالي بحيث يبدأ من الجنوب الغربي، ابتداء من جبل الخرماء جنوب الواحة بنحو 20 كيلو مترا، ثم يتجه شمالا مع انحراف قليل للشرق ثم يتجه شمالا مع انحراف قليل للغرب إلى أن ينتهي شمالا عند بالدلاليس على بُعد 20 كيلو مترا من الواحة.
أما ينابيع الأحساء الشهيرة، فهي تقع في منطقة محدودة وشريط متتابع من الجهة الغربية للواحة، حيث يبدأ من الجنوب الشرقي مجموعة عين برابر (وتشمل: اللويمي، أم الخيس، بهجة، ثعلبثة، أم الليف، والمشيطية وغيرها)، ثم يتجه غربا ليضم (عين الخدود، وأم جمل، والحقل)، ثم يتجه شمالا ليضم (عين باهلة، والجوهرية)، ثم يخرج من الواحة بالاتجاه الشمالي الغربي ليحتضن مجموعة (عين الحارة، ومنصور، وأم سبعة، والحويرات).

رفع عدد الرحلات
محافظة الأحساء بعد الإنجاز السعودي، وجهود الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، بحاجة إلى رفع عدد رحلات الطيران من مطار الأحساء وإليه، وتسويق المنطقة سياحياً لما تحتضنه من تراث وآثار وتاريخ عريق، خصوصاً بعد تفعيل التأشيرة السياحية، التي ستسمح للسياح من كل دول العالم بالاطلاع على هذا الكنز السياحي الثمين.
الأحساء، بوصفها واحدة من أهم مواطن الاستيطان والاستقرار البشري في المملكة، تحتضن الواحة، وبجوارها جبل القارة الشهير، وفيها أيضاً مسجد جواثا التاريخي، وقصر إبراهيم الأثري، وقصر صاهود، وميناء العقير، ولكل من هذه المواقع قصة تستحق أن تروى.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون