مراجعة كتاب الطاقة: الطريق إلى الكهرباء

|

صدر كتاب جديد يجمع بين التاريخ العلمي وتسخير الطاقة، الطاقة: تاريخ بشري، لكاتبه رتشارد رودز. الكتاب يأخذ القارئ في رحلة تاريخ تطور الطاقة في القرون الأربعة الماضية بين العلوم والصناعة والإبداع البشري. تبدأ القصة من عدم قدرة مجموعة شكسبيرية على الحصول على مسرح خشبي، بسبب ارتفاع أسعار الخشب، نظرا لطلب البحرية الإنجليزية عليه لبناء السفن، فنحو 2500 شجرة بلوط تكفي لسفينة واحدة. ارتفاع أسعار الخشب قاد إلى بديل تدريجي في الفحم، لكن الفحم يسبب تلوثا مؤثرا، لذلك جاءت الحاجة إلى اختراع المدخنة للتعامل مع العادم الملوث. الحصول على الفحم بدا سهلا، ومع الوقت أصبح التعامل مع المياه إثر غمر المناجم بها أكثر صعوبة، وهذا بدوره جر إلى الحاجة إلى تطوير مضخة، حين اخترع نيوكمن مضخة بدائية في بداية القرن الثامن عشر. زيادة الضغط على الغابات قادت إلى ارتفاع استعمال الفحم 12 ضعفا، ما فاقم المشكلات الصحية، وبدأ توظيف الأطفال لتنظيف المداخن من العوادم الضارة. استمرت الحال إلى أن استطاع العبقري جيمس واط - على إثر انتهاء براءة اختراع نيوكمن - تحديث المضخة إلى أن وصلت آلة الاحتراق الداخلي إلى حد أن بقية القرن التاسع عشر أصبحت حقبة البخار. 
تحويل فحم الكوك إلى كربون ساعد على التحكم في تصنيع الحديد، لكن التحول حدث على يد الطبيب الكندي أبراهام قسنر، الذي تمكن من تحويل غاز الفحم إلى صناعة مؤثرة، حين صفى "القار" - من أثقل خامات البترول - إلى زيت للإنارة، حتى وصل إنتاج زيت الفحم إلى تسعة ملايين جالون عام 1860، لكن الفحم لم يستمر "ملك"، إذ بدأت حقبة النفط. حدث ذلك حين استطاع أستاذ الكيمياء في ييل النظر في الفرص التجارية "للزيت الصخري"، تردد بعض الشيء، لكنه في الأخير وجد سائلا قابلا للاستعمال في الإنارة - وجد النفط. حينها أسس دريك أول شركة للنفط، واكتشف أول حقل في بنسلفانيا، وكانت بداية صعبة في السيطرة على النفط المتدفق، حيث يفقد نحو ثلث الإنتاج، وأخذت الصناعة عدة سنوات للسيطرة على الحقول أمانا وفاقدا. السيطرة على الوقود وبداية التصنيع قادتا إلى تطوير الكهرباء وتسخيرها للحياة. 
أخذ تطوير الكهرباء مسارا آخر، بدأ بتجربة بنجامين فرانكلين في اختراع أول بطارية بدائية، من خلال طائرة ورقية رطبة في قدرتها على توليد شحنات كهربائية، لكن تسخير الكهرباء أخذ وقتا طويلا، فأول إجماع كان على أن الكهرباء تتولد في عضلات الضفادع، لكن فولتا أثبت أن التيار الخارجي هو ما يسبب الحركة، لكن فاراداي في النصف الأول من القرن التاسع عشر هو مَن حدد مفهوم الكهرومغناطيسية. يقول رودز إن عمل فاراداي هو الذي فتح الطريق لتطوير سريان التيار الكهربائي دون الحاجة إلى بطاريات. أعماله جرت إلى توليد الكهرباء من البخار والسدود. حدثت منافسة بين أديسون بتقديم "التيار المباشر" وويستنجهاوس "التيار المتغير"، حين تمت إضاءة شوارع مدينة بيرلينجتون في أمريكا، كأول مدينة في العالم، لكن المباشر أصبح الأفضل عمليا، ما قاد لاحقا إلى تأسيس محطة نياقرا لتولد 10 في المائة من احتياج أمريكا من الكهرباء في 1905. 
ينتهي الكتاب بباب عنوانه "الحرائق الجديدة"، يبدأ بطرح سلبي عن صمت "دوبانت" و"جنرال موتورز" عن التسمم من الرصاص في البنزين. وكذلك يناقش بدايات النفط في المملكة وتطوير الطاقة الذرية، حيث يدعو بصراحة إلى تطوير استعمال الذرة في توليد الكهرباء، إذ تأثير الكربون في البيئة أقل من الوقود الهيدروكربوني. لم أقرأ الكتاب، لكن قرأت أكثر من مراجعة، واستمعت إلى مقابلة مع الكاتب عن الكتاب. أعتقد أنه كتاب جيد، ولعله من قراءات الصيف المجدولة، وأقرب إلى حالة علمية في تاريخ البشر الحديث لكل مهتم بالطاقة واقتصادياتها وتطورها والصناعة وتطور الإبداع والتغلب على التحديات. 

إنشرها