منصات التمويل الجماعي .. محاربة فقر الطاقة مثالا

|

كتبت سابقا عن الفرص الهائلة والمتاحة في مجال الاستثمار في إفريقيا، خصوصا فيما يتعلق بمحاربة فقر الطاقة. واللافت أن هناك عديدا من رواد الأعمال الذين أوجدوا أسواقا تقدر بمليارات الدولارات من خلال توفير بدائل أفضل للمجتمعات الأقل دخلا "الذين يشكلون الأغلبية العظمى من سكان جنوب الصحراء" وبتكلفة أقل من الممارسات التقليدية. وذلك مثل توفير أنظمة شمسية متواضعة بنظام التأجير المنتهي بالتمليك، تخدم أغراضا أساسية "مصباحين، راديو، كشاف، ومصدر لشحن الجوال"، إلا أنها كفيلة بتحقيق تحول جذري في نمط حياة سكان الأرياف. فعلى الرغم من تزايد عدد الأفراد الذين يحصلون على الطاقة من العدم منذ عام 2010 إلى نحو 118 مليون فرد كل عام، إلا أن السياسات الحالية والعوامل السكانية تشير إلى أن 674 مليون شخص سيظلون بلا كهرباء في عام 2030. 90 في المائة من هؤلاء هم من سكان دول جنوب الصحراء، والأغلبية العظمى منهم "87 في المائة" في المناطق الريفية. البديل السائد للكهرباء عند هؤلاء هو استخدام الفوانيس والمصابيح التي تستهلك الوقود الأحفوري، كالكيروسين، الذي يصل تكلفته إلى نحو ربع دخل الأسرة. هذا عدا عشرات الأميال التي يخطوها رب الأسرة لشراء الكيروسين والبطاريات الجافة لتشغيل الراديو وشحن بطارية الجوال.
على الرغم من الإنجازات الممتازة وتوقعات وكالة الطاقة الدولية بالدور المفصلي للاستثمارات القائمة على تأجير الأنظمة الشمسية لمكافحة فقر الطاقة، إلا من أكبر التحديات التي تعيق توسع تلك الاستثمارات هي بطبيعة الحال توفير التمويل اللازم لتغطية احتياجات المحرومين من الكهرباء، المقدر عددهم بأكثر من 150 مليون منزل في جنوب الصحراء وحدها "أو ما يعادل أكثر من 35 مليار دولار". هذه الاستثمارات، خصوصا الناشئة منها، يصعب عليها الحصول على تمويلات من المصارف التجارية لدعم رؤوس أموالها العاملة لاعتبارات ومخاطر عديدة. إلا أنه، في المقابل، هناك توجه حديث نسبيا في عالم التمويل يعتمد على جمع الموارد المالية من العامة لدعم هذه الاستثمارات التي تجمع بين الأهداف التنموية والربحية. "التمويل الجماعي" أو ما يسمى Crowdfunding انتشر خلال الأعوام القليلة الماضية في مجال الإغاثة وحديثا في مجالي التنمية والاستثمار. شخصيا، لم أسمع بمصطلح الـ Crowdfunding قبل خطاب الدكتور بندر حجار، رئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية، عندما أعلن عن خطة تحول جذرية للبنك وتبني دور أكثر شمولا بمسمى "بنك التنمية والتنمويين" لتعظيم الآثار التنموية للبنك في الدول الأعضاء. وكان الـ Crowdfunding من بين العناصر التي سيتم الالتفات إليها لتفعيل الدور الجديد للبنك.
منصات الـ Crowdfunding تربط بين صغار المستثمرين أو الممولين من جهة، وبين طالبي التمويل من المنشآت الصغيرة أو المتوسطة التي لا تستطيع توفير متطلبات المصارف التقليدية، من جهة أخرى. توجد نماذج ناجحة جدا تنبئ عن مستقبل زاهر لهذه المنصات، حيث العوائد العالية نسبيا لصغار المستثمرين، وفي المقابل تكلفة التمويل تعد معقولة لتلك المنشآت. وعودة إلى دور بعض تلك المنصات لتوفير التمويل اللازم للمنشآت التي توفر أنظمة شمسية لسكان جنوب الصحراء، تقوم تلك المنصات بدراسة طلبات التمويل لتلك المنشآت، وذلك لشراء مئات أو آلاف الأنظمة الشمسية من المصنعين. تشمل الدراسة تدقيق القدرات التسويقية وأساليب الإدارة المالية لتلك المنشآت للتأكد من قدرتها على تسديد أقساط القرض، إضافة إلى عوامل أخرى لا يسعني ذكرها في هذا المقال. وعندما يتم تقييم مخاطر إقراض المنشأة، تقوم المنصة بإطلاق حملة لجمع التمويل المطلوب للمنشأة "100 ألف دولار على سبيل المثال"، وذلك خلال مدة معينة "تراوح المدة ما بين أسبوعين وشهر ونصف حسب الحملة". كما أن الحملة تشير بوضوح إلى أهداف التمويل، مثل عدد العائلات المستفيدة التي ستقوم باستئجار أو شراء تلك الأنظمة الشمسية، وكميات غاز ثاني أكسيد الكربون التي سيتم تجنبها بسبب الاستفادة من تلك الأنظمة لعدم الحاجة إلى وقود الكيروسين، والعائد السنوي المتوقع للمستثمر "يراوح ما بين 5 و10 في المائة سنويا ولمدة تراوح ما بين 18 و42 شهرا".
يذكر أنه على الرغم من المخاطر الاستثمارية التي تعد عالية نسبيا، إلا أن الفرد الواحد يستطيع أن يسهم بمبلغ زهيد يصل إلى عشرة دولارات، وبالتالي، يكون أكثر تقبلا للمخاطرة. لهذا، نجد في بعض الحملات يتجاوز عدد المستثمرين فيها المئات من الأفراد. وما إن يتم جمع المبلغ المطلوب، يتم إغلاق الحملة بنجاح، ولكم أن تتخيلوا عدد المستفيدين من الأطراف كافة. أسلوب التمويل هذا جدير بالتمعن والاستفادة منه للنهوض بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة في بلادنا.

إنشرها