الحوكمة القضائية مفتاح تطوير القضاء «1»

|
هذا الموضوع من أهم المواضيع التي من خلالها نجد مفتاح تطوير القضاء وتعزيز كفاءته وقدرته المهنية، ولذلك سأكتب باختصار بعض المقالات تحت هذا العنوان، لأجل شرح الفكرة ونشرها، علما أنني سبق أن كتبت مقالا مطولا في عام 2014 عن هذا الموضوع. بداية يجب ذكر أن مبادئ ما يسمى "الحوكمة" بدأت تاريخيا في القرن الـ19 في الشركات الغربية، وأخذت في النمو إلى أن تكون مصطلح ما يسمى الحوكمة، وهو يعني باختصار جعل كل شيء من خلال نظام يضمن حكم القانون وعدالة تطبيقه. وهي تركز في الأساس على تعزيز ضمان الشفافية والعدالة والحقوق والرقابة والاستقلال بين السلطات داخل الجهاز نفسه وعدم تعارضها مع أهدافه أو مصالحه ومحاربة الفساد وهكذا. الحوكمة غالبا ما يتحدثون عنها فيما يتعلق بالشركات، وأحيانا المؤسسات الحكومية، ولكن من يتحدث عن "حوكمة" القضاء قليل، وبنظري أن "حوكمة" القضاء أهم بكثير من أي قطاع آخر. وبالتأمل في أنظمة القضاء لدينا، نجد أن الحوكمة موجودة في كثير من التشريعات القضائية، إلا أنها متناثرة وتحتاج إلى ترتيب ومزيد من التعزيز. من خلال الحوكمة، يتم التركيز مثلا على التداخل بين الصلاحيات والاختصاصات، أو حتى مجرد إمكانية التداخل، أو إمكانية سوء استغلال هذا التعارض، ثم تتم معالجتها وإغلاق هذه الفجوات بالحوكمة. الحوكمة يجب أن تحمي استقلال القضاء والقضاة من أي نفوذ أو تدخل غير صاحب السلطة التشريعية في البلد وهو الملك أو من يمثله، كما تحافظ الحوكمة على حقوق القضاة داخل الجهاز بشكل يضمن المساواة والاعتماد على الكفاءة فقط، وتحارب النفوذ والواسطة، كما أنها في المقابل تهتم بضرورة ضمان عدم خروج سلطة القاضي عن مسارها. فمثلا فيما يتعلق باختيار القضاة، فإن من ضمن معايير الحوكمة، أن تتم "حوكمة" آلية اختيار القضاة وترشيحهم بشكل يضمن سلامة الاختيار من حيث الكفاءة والعدالة والمساواة، وكذلك الأمر أهم أيضا فيما يتعلق بتعيينات القضاة وترقيتهم في المناصب والمحاكم، بشكل يضمن عدالة التعيين وكفاءته وعدم تعارض المصالح في ذلك، وكل هذه العناوين تحتاج إلى نقاش طويل حول كيفية هذه الضمانات، ولا أريد التعمق بطريقة تخصصية تزعج القارئ غير المتخصص. الحوكمة تركز أيضا على الإفصاح كضمان للشفافية أيضا، ولكن في الجهات القضائية يختلف الأمر بعض الشيء، فبعض القرارات لا يتم الإفصاح عنها لأجل مصالح المترافعين وضمان سريتها، إلا أن الإفصاح الأهم هنا هو فيما يتعلق بالمترافعين أنفسهم والإفصاح لهم بالتساوي وبكل ما يتعلق بقضيتهم، وقد يعزز هذا داخليا من خلال وسائل عدة، كما أن الإفصاح قد يكون ضمانا للشفافية في كثير من الأحيان، مثل تسمية اللجان المختصة وأعضائها لأجل الشفافية والرقابة. نقطة مهمة جدا فيما يتعلق بالحوكمة، وأعتقد أننا نحتاج إلى الكثير في هذا السياق، وهي ضمان حصول المتخاصمين على الوثائق المؤثرة في قضاياهم، إضافة إلى أسماء اللجان التي تدرس قضاياهم وأعضائها، وهذا جزء مهم يضمن شيئا من العدالة والرقابة والشفافية التي تتطلبها معايير الحوكمة، وهي من أهم حقوق المتخاصمين، وأتمنى أن تتم إعادة دراسة هذا الجانب من المختصين لأهميته، ونشر ثقافة الحوكمة داخل الجهاز. هناك الكثير في هذا الموضوع، سأحاول الحديث عنه في المقالات القادمة بإذن الله.
إنشرها