التعليم العالي .. مشكلة معايير القبول

|

من هذا الأسبوع ستبدأ أكبر معاناة أمام الأسر السعودية، وهي القبول في الجامعات، ويمثل الفوز بمقعد في التخصصات التي يطمح إليها كل شاب وشابة الفرق بين النجاح في الحياة والفشل، وأمام الفوز بهذه المقاعد متاهة من معايير القبول التي ليس لها أصل علمي، ولا سند من تجربة. لقد عشت سنوات طويلة من عمري المهني في الجامعات، وقمت بدراسات عدة عن معايير القبول، وأقولها دائما إن هذه المسألة يلفها غموض كبير، وفي عالم من المعرفة ومناهج البحث العلمي، فإن أول وأهم قرار يواجه الطالب والطالبة في حياتهما العلمية الجامعية، بل يحدد مصيرهما المهني يتم اتخاذه بأسلوب غير مهني ولا علمي. وإذا كانت معايير القبول قائمة على أساس من المقاييس الرقمية، مثل معدل الطالب في الثانوية، ودرجته في اختبارات قياس، فإنني ما زلت أتحدى أن تقدم أي جامعة تفسيرا علميا كافيا بشأن النسب التي تحددها لكل تخصص، وتبريرا اقتصاديا كافيا لكل التخصصات التي تقوم بفتحها، ونسب القبول في كل تخصص، إن المسألة تعج بالفوضى تماما. وإذا كانت معايير القبول في الجامعات السعودية تحدد مصير الشاب والشابة فيما تبقى من عمرهما، وإذا كان هناك الملايين من الخريجين سنويا من التعليم العام، فإن مصير كثير منهم قد أصبح مجهولا أمام هذه الفوضى، ولا بد من تغيير جذري في فكر وفلسفة القبول في الجامعات، وأن يكون لرغبة الطالب وطموحه أثر في كل القرار، ولا بد أن تكون هناك نسبة ولو ضئيلة من التأثير في القرار، تأتي من الطالب نفسه، أو نقول من الطلب والسوق وفقا للمعايير الاقتصادية البحتة.
لشرح وجهة نظري فإن الجامعات السعودية تضع ما تسميها النسبة الموزونة، التي تعتبر هجينا مجهول المعنى والهوية بين معدل الثانوية واختبارات قياس، وعندما أقول هجينا مجهول الهوية، ذلك أنه لا معنى للرقم الذي ينتج من ذلك التجميع، فإذا كنا نعرف أن معدل الطالب في الثانوية العامة قد بلغ 95 في المائة مثلا، ودرجة اختبار القدرات بلغت 65 في المائة، ودرجة اختبار التحصيلي 70 في المائة، فإن الجامعات تأخذ هذه الأرقام وتخلطها معا، وتعطينا رقما جديدا من لدنها لا هو قياس ولا هو ثانوية، فمثلا تأخذ 40 في المائة من الثانوية، و30 في المائة من اختبار القدرات، و30 في المائة من التحصيلي، وينتج عن ذلك رقم مثل 78.5 في المائة مثلا، وهذا الرقم الجديد لا معنى له، ولا يقيس شيئا ألبتة، ومع ذلك فهو الرقم الذي يتم به قبول الطالب، وبه يقرر مصيره، ولا توجد جولة أخرى متاحة. وهذه هي العلة الرئيسة، فقبول الطلاب في مسارح العلم يتم من دون منهج علمي موثوق به.
ليست هذه مشكلة القبول في الجامعات فقط، بل هنا ما هو أكثر إيلاما، فالجامعات تغص بتخصصات لم يعد لها طلب فعلي في السوق، وهناك نقاش ممل حول نظرة الجامعة للسوق، وهل التخصصات للعلم أم للسوق؟ لكن المسألة لا تقرأ بهذا الشكل أبدا، فالتخصصات تفتح بناء على الطلب عليها وليس وفقا لرؤية الجامعة فقط، الطلب يبرر التكلفة، ولا معنى أن ننتج شيئا لا يتم بيعه إلا جبرا، الطلب من المجتمع على التخصصات يقاس دائما بالإقبال على طلب القبول والمنافسة عليها، ولكن مع الأسف فالقبول لدينا لا يراعي هذا الجانب، وتتفاخر الجامعات بأعداد الطلاب الذين تم قبولهم، لكن لا أحد يدرك أنه قد تم قبولهم في تخصصات لا يرغبون فيها أبدا. ففي إجراءات القبول، يتم إجبار الطالب على تسجيل الرغبة في جميع التخصصات الموجودة، ويقوم جهاز الحاسب بفرز الطلاب بناء على المقاعد المتاحة، وبالطبع فإن التخصصات المرغوب فيها تحصل على الأولية حتى تنتهي المقاعد المتاحة، ثم تبقى التخصصات التي لم يعد عليها طلب فيتم إدراج الطلاب فيها جبرا، وهكذا فإننا نكافئ التخصصات غير المرغوب فيها بشكل مزر، ونمنحها وقتا وطلابا، بينما هي في الحقيقة لم تعد ذات أهمية، ولو أن الطلب هو الذي يحرك القبول لتم إغلاق جميع التخصصات التي لا يرغب فيها الطلاب، ومنح مقاعدها والميزانيات للتخصصات الأكثر حضورا، لو تم مثل هذا لكان هناك توافق كبير بين التخصصات في الجامعات وسوق العمل.
وإذا كانت معايير القبول في الجامعات غير علمية، وأيضا تتجاهل الطلب من السوق نفسه، فإن المشكلة الأكبر هي في عدم إتاحة الفرصة للطالب للوصول إلى المعايير المطلوبة للقبول في التخصص الذي يريده، فمثلا جميع المعايير مرتبطة بالثانوية وأيضا بدرجات قياس، وجميعها مقاييس علم وإدراك، ولكن الجميع يتجاهل القدرة على العمل والمثابرة، وإذا كان هناك طلاب لم يحصلوا على درجات مناسبة في الثانوية، فقد تكون قدراتهم العملية ومثابرتهم عالية جدا، وقد يتم منحهم فرصة بشرط تقديم ما يثبت العمل والجدية فيه، كأن يقدم الطالب شهادة من شركات مؤهلة تمنح توصيات قوية. ومن المشكلات أيضا عدم بناء معايير القبول وفقا لشروط واضحة بشأن درجة الثانوية ودرجة قياس، بحيث يتم منح الطالب فرصة لدخول اختبارات قياس حتى يحصل على الدرجة المطلوبة، ذلك أن الحال الآن تقضي بتوقف فرصة الطالب في دخول اختبارات قياس للطلاب مع تخرجهم في الثانوية، والأصل أن تبقى مفتوحة دائما لمن يرغب فيها، وأن تستقل عن التعليم العالي تماما، وأن تكون مجرد اختبارات فقط، فإذا كانت إحدى الجامعات تطلب درجة معينة في القياس، فإن على الطالب الراغب فيها بذل جهد كبير، ودخول الاختبار مرات ومرات حتى ينال الدرجة المطلوبة ومن ثم يكون مؤهلا للقبول.
هذا غيض من فيض مشكلات القبول، ولا بد من حوار وطني جاد بهذا الشأن، وأن تكون الجامعات مفتوحة أكثر بشأن آلية تحديد المقاعد ومعايير القبول، وألا يتم ترك الكليات وأساتذتها هم أصحاب القرار فقط.

إنشرها