إلى أين يمضي بنا الذكاء الاصطناعي في تنبؤاته؟

|


لا يمر يوم تقريبا إلا ونحن أمام اختراع جديد. والاختراعات في السابق كان لها وقع كبير؛ لأن الماكينة الجديدة كانت تخفف أعباء الإنسان ولا سيما العضلية منها.
اليوم يمر العالم بثورة خوارزمية لها من الخصائص ما كانت تفتقر إليه الماكينات التي تم اختراعها سابقا.
إحدى الخصائص الأساسية للماكينة الجديدة هي خوارزميتها؛ أي أنها مبرمجة لتنفيذ كم هائل من التعليمات المتسلسلة بصورة منطقية وسرعة فائقة، تمكنها من حل مسائل ومعادلات ومهام كانت إلى وقت قريب تعد خيالا أو سرابا.
وأخذت الأجهزة الخوارزمية تجمع وظائف عديدة في آن واحد؛ أي تتداخل فيها الوظائف رغم صغر حجمها وسهولة نقلها وحملها وخفة وزنها.
ومن ثم أضيفت إليها خاصية التواصل. الذي يقتنيها أو يستخدمها في إمكانه من خلال جهاز رقمي صغير بحجم محفظة النقود أو أصغر، التواصل مع الآخرين بسرعة البرق بغض النظر عن الجغرافية والمسافة والزمن.
ولكن الثورة الخوارزمية التي جعلت المكائن تنفذ سلسلة من المهام بصورة منطقية وبسرعة فائقة، بدأت تدخل مرحلة جديدة وخطيرة أيضا.
العيون ترنو اليوم إلى ما يخبئه لنا الذكاء الاصطناعي وخوارزمياته التي بدأت تنقل الماكينة من مجرد وسيلة لتنفيذ المهام والوظائف إلى جهاز له سعة عقلية وإمكانية الاستشعار والتحسس كما الحواس البشرية. وتأتي شركة جوجل العملاقة في مقدمة الشركات في العالم في تطوير أجهزة لها قابلية فائقة لاكتساب المعرفة والمعلومات بذاتها دون تدخل بشري؛ أي دون تغذيتها من قبل البشر.
هذه الأجهزة تقرأ وتنطق وتحاور ومن ثم تتنبأ. وأخيرا أدخلت "جوجل" جهازا إلى المستشفيات بإمكانه القول وبصدقية تصل أحيانا إلى 95 في المائة عن الوقت الذي سيغادر فيه المريض في المستشفى هذه الدنيا أو يعود إلى بيته سالما معافى.
نحن على أعتاب الثورة الصناعية الرابعة، وهي الذكاء الاصطناعي، وبدأت مظاهر هذه الثورة تلقي بظلالها على الحياة في أمريكا مثلا، حيث لم يعد أهل الأرياف في حاجة إلى ترك ريفهم واللحاق بالمدن الكبيرة للعمل.
هناك تقارير تشير إلى هجرة معاكسة، وأن الحياة أخذت تدب في مدن صغيرة كانت شبه مهجورة، أو كان قد غادرها أغلب سكانها؛ لأن العامل لم يعد يحتاج إلى الوجود الجسدي في موقع العمل، والشكر كل الشكر للذكاء الاصطناعي.
والخوارزمية لم تعد معادلة رياضية وحسب، إنها اليوم تمثل أي سلسلة منطقية حسابية كانت أو غيرها. والتتابع المنطقي لتنفيذ المهام لم يعد احتكارا على الإنسان. الآلة في إمكانها اختراع سلاسل منطقية لتنفيذ مهام ووظائف معقدة، يستعصي على الإنسان تنفيذها، أو كان القيام بها يأخذ وقتا طويلا وجهدا كبيرا.
وفي آخر زيارة لي للمستشفى في السويد، دهشت عندما طلب مني الطبيب إلقاء نظرة على شاشة حاسوبه.
كانت هناك أمامه نتيجة التحليل ومن ثم خيارات كثيرة للتعامل مع ما كنت أعانيه والأدوية المتاحة وأسعارها ومدى نجاعتها؛ وأن نوعية البكتريا التي ظهرت في التحليل لا يفيد معها إلا الدواء الفلاني، وهذا متوافر فقط في الصيدلية الفلانية، وكم حبة علي بلعها، وكيفية استخدامها مع الأيام والأوقات.
وما أدهشني أكثر أن الطبيب نقل الوصفة كما هي، ومنحني إياها طالبا التنفيذ بالضبط كما أتت في جهاز الذكاء الاصطناعي الجديد الذي في حوزته.
وكل هذه العملية المعقدة لم تستغرق أكثر من نصف ساعة.
الجهاز الخوارزمي الجديد، حسب الطبيب، يخزن كما هائلا من المعرفة والمعلومات والتعليمات المتسلسلة، وجرى اختباره للتأكد من أن النتائج التي يتوصل إليها صحيحة؛ كي يتمكن الأطباء من اتخاذ القرارات الصائبة. وله ميزة مهمة أخرى، وهي أن الجهاز يكرر التسلسل ذاته لحل معضلات أو مشكلات ذات نتائج مختبرية متشابهة، ولكنه يقدم حلولا مختلفة عند مواجهته معضلات مختلفة، ويؤشر بوضوح إن لم يكن في إمكانه التعامل مع معضلة لا معلومات له عنها.
وجهاز صغير مثل هذا قد يحوي في ثناياه سجلات عن حالات تخص ملايين المرضى، وبإمكانه تحليلها بدقة كبيرة وسرعة متناهية.
اختراع المعادلات الخوارزمية الجديدة لم يعد مسألة ترهق العلماء. ما يرهقهم حاليا هو تغذية الماكينة الذكية الجديدة بالمعلومات التي تأخذ 80 في المائة من الوقت الذي يستغرقه جعل الجهاز متاحا للاستخدام.
بيد أن هذه المعضلة يبدو أنها في الطريق للحل؛ حيث ستتمكن أجهزة الذكاء الاصطناعي الجديدة من البحث عن المادة والمعلومات الخاصة بوظائفها وخزنها وتحليلها، ومن المحتمل استنباط خوارزميات جديدة استنادا إليها. وأخذت هذه الأجهزة تقرأ. تقرأ ليس فقط الكتابة وتحفظها وتهضمها؛ أي تخزنها في عقلها، بل في إمكانها النظر إلى صورة شخص ما ومن ثم قراءة وضعه النفسي والصحي وما يدور في خلده.
ولكن أن يكون في إمكانها تحديد متى سأغادر هذه الحياة، أو إن كنت سأخرج من المستشفى معافى، فهذا لعمري ما لا يعلمه إلا الله سبحانه.

إنشرها