FINANCIAL TIMES

«آيفون» بدأ للتو في إظهار علامات النضج

لا يوجد كثير من الشركات التي تنصح العملاء باستخدام أقل لمنتجاتها الأكثر شعبية. غير أن كريج فيديرجي، رئيس هندسة البرمجيات في شركة أبل، تحدث بصوت خافت في كاليفورنيا يوم الإثنين عن كيف تحول استخدام جهاز آيفون إلى "عادة لدرجة أننا قد لا نتمكن حتى من إدراك مدى الإلهاء الذي أصبحنا نعانيه".
حتى أن عددا أقل منها يقترح طرقا لأخذ استراحة عندما يفقد سوقها القدرة على النمو، مثلما فعلت وحدة مبيعات الهواتف الذكية. بعد مضي أحد عشر عاما على إطلاق جهاز الآيفون، انخفضت مبيعات الأجهزة العالمية بشكل طفيف في عام 2017 وتتوقع مجموعة آي دي سي للبحوث انخفاضا آخر هذا العام. ولا يبدو أن هذا الوقت المثالي لسرد مساوئ المنتج.
أبل ليست قلقة للغاية. فأي شركة تكرس جزءا كبيرا من عرض مدته ساعتان للعب مع شخصيات ميموجي الكرتونية ـ عرضت تطبيقا يحاكي جهاز لاسلكي ثنائي الاتجاه ويظهر مجموعة ليجو بواقع مدمج ـ لا يمكن أن تشعر بخطر وجودي. تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة أبل، قال مخاطبا مطوري التطبيقات: "ستحبون هذه الصور المتحركة الخيالية على الشاشة!".
وهذا دليل على القول الشائع الذي مفاده أننا نميل إلى المبالغة في تقدير تأثيرات أي تكنولوجيا في المدى القصير، لكننا نقلل من شأنها على المدى الطويل. نحو 3.6 مليار شخص - نصف سكان العالم - لديهم الآن إمكانية الوصول إلى الإنترنت. والمبيعات الثابتة للهواتف الذكية ليست دلالة على شعور بالضيق، بل على سرعة التبني.
استغرقت الهواتف الذكية عقدا واحدا فقط لتصل إلى قمة المنحنى السيني S - نمط الانتشار التقليدي الذي تأتي فيه بعد نمو أولي بطيء حالة من الصعود السريع، بعد انتشار كلام الناس، تعقبها حالة من التباطؤ. لكن حتى عندما يسارع الناس إلى شراء التكنولوجيا الجديدة، يكون من السابق لأوانه في كثير من الأحيان فهم كل إمكاناتها: الإدراك لا يأتي إلا بعد أن تتكيف الصناعات والمجتمعات بشكل كامل.
حقبة التبني على نطاق واسع - عندما لم لا التكنولوجيا تحدث كثيرا من الإثارة، ويتحول الانتباه إلى الجهاز التالي (في هذه الحالة الساعات ومكبرات الصوت المنزلية والطائرات بدون طيار) - هي الحقبة التي يبدأ فيها حدوث الأشياء فعليا. كان هذا صحيحا بالنسبة للكهرباء وإعادة ترتيب مصانع القرن العشرين حول منافذ متعددة للطاقة، بدلا من الممرات البخارية. الآن الهاتف المحمول دخل مثل هذه الحقبة.
أوضح إشارة على ذلك هي مقدار الاهتمام الذي يكرسه الناس لهواتفهم، كما أشارت ماري ميكر، الشريكة في شركة رأس المال الاستثماري "كلينر بيركنز كوفيلد آند بيرس"، في مؤتمر الأسبوع الماضي في كاليفورنيا. والملخص السنوي الذي تقدمه ميكر حول اتجاهات الإنترنت هو أحد طقوس التفاخر والحماس في وادي السليكون، لكنها عرضت كثيرا من الأدلة على أن المبيعات الثابتة تخفي أشكالا أخرى للنمو.
الآن يقضي المواطن الأمريكي العادي 3.3 ساعة يوميا مع الوسائط الرقمية على هاتفه المحمول - عشرة أضعاف المدة المعتادة في عام 2008، عندما كانت أجهزة آيفون أحدث الألعاب. ويصل إجمالي الاستخدام، بما في ذلك الوقت على أجهزة سطح المكتب والأجهزة الأخرى المتصلة، إلى نحو ست ساعات، بحيث أصبح ينافس الوقت المخصص للنوم. وفي استطلاع حديث أجرته مؤسسة بيو قال 45 في المائة من المراهقين الأمريكيين أنهم متصلون بالإنترنت "بشكل شبه دائم".
من هنا جاء إطلاق تطبيق أبل سكرين تايم Apple Screen Time لتمكين المستخدمين من التحكم في إدمانهم على جهاز آيفون، وهو ما أعلن عنه فيديرجي بحبور - فلن يضر قضاء وقت أقل قليلا على تويتر وإنستجرام بشركته. ستكون هنالك دائما حاجة لتقييم استخدام تطبيق أوبر، وحاجة للانضمام لمحادثة عبر فيس تايم، وشخصية ميموجي لإرسالها إلى الأصدقاء.
الآن ألعاب أبل تُبنى على تكنولوجيا أكثر تطورا مما كان عليه الحال قبل بضع سنوات. كشفت الشركة النقاب عرضيا عن مجموعة من الأدوات للسماح لـ 20 مليون من مطوري البرمجيات في 77 دولة باستغلال التعلم الآلي للتعرف على الصور في تطبيقاتهم – باستخدام الشكل البسيط من الذكاء الاصطناعي في مراحله الأولى عندما تم إطلاق أول هاتف آيفون على يد ستيف جوبز.
بدأت الهواتف الذكية في الظهور على شكل أجهزة كمبيوتر صغيرة متصلة بالخطوط اللاسلكية ضيقة النطاق، لكنها أصبحت الآن تحتوي على كومة من تكنولوجيات النطاق العريض، بدءا من الشبكة فائقة السرعة ذات النطاق العريض وصولا إلى تكنولوجيا تحديد المواقع العالمي، ورقائق الرسومات وأجهزة الاستشعار. الجهاز الذي برز ليحتل قمة المنحنى السيني لا يرتبط بالجهاز الأصلي إلا من بعيد فقط.
وأدى ذلك إلى حدوث انفجار ليس فقط في التطبيقات، ولكن في التطبيقات الصناعية. وهي تشمل نسبة 20 في المائة من مبيعات التجزئة الصينية التي يتم حسابها عن طريق التجارة الإلكترونية، وكثير منها عن بعد، إلى تطبيقات مثل "ويز" Waze، التي تجمع بين رسم الخرائط وتقارير السائقين لأنماط حركة المرور. ويؤدي هذا إلى ما تسميه ميكر "الكثير من الاستخدام والكثير من الفائدة"، إضافة إلى الإساءات.
ويلقي روبرت جوردون، وهو اقتصادي أمريكي، بظلال من الشك على تأثير ثورة الكمبيوتر والاتصالات مقارنة بـ "الثورة الصناعية الثانية" من عام 1870 إلى عام 1900، التي شملت الكهرباء ومحرك الاحتراق ومياه الأنابيب. ومن المعروف أن ثورة الكمبيوتر من الصعب العثور عليها في إحصائيات الإنتاجية، كما علق ساخرا الخبير الاقتصادي روبرت سولو.
ويرجع البروفيسور جوردون ذروة ثورة الكمبيوتر إلى فقاعة الدوت كوم في التسعينيات، التي تتجاهل الهاتف الذكي تماما. لو كنت مكانه لما كنت متسرعا إلى هذه الدرجة. شركات التكنولوجيا التي وصلت إلى 33 في المائة من قيمة الشركات الأمريكية المدرجة في البورصة في مؤشر مورجان ستانلي في الشهر الذي حدثت فيه الفقاعة في آذار (مارس) 2000، عادت الآن لتشكل نسبة 25 في المائة. واستحوذت مايكروسوفت في الأسبوع الماضي على "جيت هاب"، شركة خدمات البرمجيات الإلكترونية، مقابل 7.5 مليار دولار.
لعبت أبل مع المطورين يوم الإثنين، لكن التكنولوجيا التي اخترعتها لم تظهر تأثيرها الكامل حتى الآن. فلا تفقد الاهتمام، ليس بعد.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES