المتغيرات الاقتصادية في رمضان

|
رمضان ركن من أركان الإسلام، كتبه الله على المسلمين لمساعدتهم على الوصول إلى التقوى. فيه جهاد كبير للنفس وتربية للبدن على تحمل عديد من المشاق مع الترخيص للمعانين من المرضى وصغار السن والمسافرين وغير المستطيعين بالإفطار. ومع التطبيق الخاطئ لهذه الشعيرة العظيمة، يبدو للوهلة الأولى أن لرمضان تأثيراً غير إيجابي في سوق العمل والإنتاج؛ حيث تتراجع ساعات العمل بين المسلمين في شهر رمضان ويتكاسل؛ بل يتقاعس كثير منهم عن أداء واجباته، وتتغير أوقات العمل والنوم وتنقلب الحياة رأساً على عقب في كثير من الدول الإسلامية. وتقود التصرفات البشرية في رمضان إلى خفض واضح في ساعات الشغل، واضطراب سير العمل ونظامه، وتأجيل القرارات والاجتماعات، وخصوصا الحكومية منها. هنا ينبغي التأكيد على أن رمضان والصوم بريئان من التصرفات البشرية الخاطئة المرتبطة التي يتصاعد حدوثها في شهر رمضان، حيث قادت هذه التصرفات إلى عكس المرجو من الشهر الكريم وهو تحقيق مزيد من التقوى. ولا أعتقد أن التقوى تزيد بالتكاسل عن أداء واجبات العمل، أو النوم في المكاتب والمؤسسات الحكومية والخاصة، وعدم إنهاء معاملات المراجعين ومراعاة مصالحهم، وتأجيل القرارات إلى ما بعد رمضان، أو الكسب الحرام الذي يحدث عند قبض الرواتب دون القيام بواجبات العمل. ولا يخفى على أحد أن الناس بحاجة ماسة إلى الخدمات العامة والخاصة في رمضان مثل باقي أيام السنة، وخدمة الناس والحرص على أداء حقوقهم أحد موازين تقوى القلوب. ربط بعض الباحثين، وخصوصا الغربيين، بين رمضان وتراجع الإنتاجية، ولكن على الرغم من التصرفات الخاطئة التي تقود إلى انخفاض الإنتاج في الأمد القصير خلال الشهر الكريم بين المسلمين إلا أن هناك مؤشرات في كثير من الدول الإسلامية إلى أن الأعمال تنشط بعد شهر رمضان ويتم تعويض معظم تراجع الإنتاج في الأسابيع القليلة اللاحقة لهذا الشهر الكريم. من جهة أخرى، أظهرت بعض الدراسات أن هناك تأثيرات إيجابية لشهر رمضان في أسواق المال في الدول الإسلامية. يذكر تقرير لجامعة ليستر، صدر عام 2011، أن متوسط عائدات أسواق الأسهم في أربعة عشر بلداً إسلامياً في شهر رمضان ارتفعت بمقدار تسع مرات تقريباً بين عامي 1989 و2007، وكانت الأسواق في هذه البلدان أقل تقلبا مقارنة ببقية أوقات السنة. ووفقاً لأحد الباحثين من الجامعة نفسها فقد يكون هذا ناتجاً من زيادة الحس بالتكافل الاجتماعي والآثار الصحية لتغيير النظام الغذائي. أو بعبارة أخرى، فإن الفضيلة التي فرضت نفسها والإحساس بالانتماء للمجتمع والترويج لذلك في العالم الإسلامي خلال شهر رمضان أدت إلى تحسن أسواق البورصة. وأضاف أن هذه الظاهرة لوحظت في معظم السنوات، بغض النظر عن حالة الاقتصاد العالمي من حيث الركود والازدهار. من التصرفات الإيجابية التي تحدث في شهر رمضان ارتباطه بشعيرة مهمة هي الزكاة، حيث يتعمد كثير من المسلمين إخراجها في هذا الشهر الكريم، كما تتزايد في رمضان الصدقات وأعمال البر والخير ومساعدة الغير، ما يعزز جهود محاربة الفقر ويدخل البهجة في قلوب الضعفاء والمحتاجين ويعيد توزيع الدخل بين شرائح المجتمع. وبهذا يسهم رمضان في تقليل فوارق الدخل ويزيد مستويات العدالة الاجتماعية ويدعم السلام الاجتماعي. يؤثر رمضان، وعلى الأحرى موسم رمضان، في مستويات الاستهلاك وهناك دلائل واضحة على ارتفاع قوي في مستويات الاستهلاك، خصوصاً المواد الغذائية في الدول الإسلامية بشكل عام. فبدلاً من الحد من تناول الأطعمة والأشربة في رمضان تتصاعد بشكل واضح كميات استهلاك الغذاء والشراب، حيث تتفنن الشعوب الإسلامية في صنع أطباق ومشروبات خاصة في رمضان. كما تصاحب شهر رمضان احتفالات الأعياد التي ترفع استهلاك الملابس والأحذية والحلويات والهدايا والسياحة والسفر وتجديد الأثاث والطلب على الترفيه. وترفع الأسر بشكل عام مستويات الإنفاق بشكل كبير خلال موسم رمضان ما قد يمثل عبئاً على كثير من أرباب الأسر، لكنه يرفع الإنفاق الإجمالي بشكل ملحوظ داخل الاقتصاد. وتولد زيادة الإنفاق هذه مردوداً إيجابياً على الناتج المحلي وتسهم في رفعه؛ ما يعكس التأثيرات السلبية في الإنتاج خلال فترات الصوم. عموما يبدو أن هناك تأثيرات سلبية للشهر الكريم في الإنتاج، وخصوصاً الخدمات الحكومية خلال أوقات الصيام، ولكن من المؤكد أن له تأثيرات إيجابية قوية في الإنفاق وتوزيع الدخل. وتستعد الأعمال مبكراً لهذا الشهر بزيادة مخزون السلع لمواجهة ارتفاع الطلب؛ ما يعني زيادة إنتاج السلع والخدمات في الفترة السابقة لهذا الشهر الكريم، وقفزة في المبيعات الموسمية. وتدعم هذه المتغيرات الناتج المحلي وتزيد مستوياته خلال موسم رمضان. ولهذا فإن أي تحليل للمتغيرات الاقتصادية في رمضان ينبغي ألا يركز فقط على تغطية فترة شهر رمضان وحده، كما يفعل بعض المحليين، وإنما كامل موسم رمضان الذي يشمل أسابيع عدة قبل رمضان وأسابيع عدة بعد رمضان.
إنشرها