الجامعات .. والانحياز إلى التنمية

|

الجامعات في حياتنا صروح معرفية جذابة، تمتعت في الماضي، وتتمتع حاليا بمكانة كبيرة في حياة الإنسان. الناشئة يطمحون إليها ويتنافسون من أجلها، والآباء يريدون أبناءهم فيها، ومسؤولو المؤسسات يترقبون خريجيها، ويحتاجون أيضا إلى مخرجاتها البحثية القابلة للاستثمار، كما أن حكومات الدول تسعى إلى مشورتها في مختلف قضايا الحياة على المستويين المحلي والدولي. خريجو الجامعات أناس واعون حريصون في سلوكهم ليس فقط على مصلحتهم، بل على مصلحة الآخرين أيضا، وعلى الارتقاء بالمجتمع من حولهم. هم أيضا مثقفون في اطلاعهم على العالم ومعرفتهم بشؤونه، وفي تحفزهم ومتابعتهم لمزيد منها، ثم هم مفكرون يستوعبون المشكلات ويحللونها ويقدمون الحلول بشأنها، ويبدعون ويبتكرون، وهم كذلك متعمقون في معارف تخصصية محددة تؤهلهم للتوظيف والعمل المهني في مجالاتها المختلفة.
ولأن الجامعات مهمة، والتوقعات من معطياتها عالية، كما أسلفنا، فهي محط الأنظار، تتعرض دائما للنقد، سواء الموضوعي منه أو غير الموضوعي، بشقيه الناعم الذي يأتي إيجابيا متطلعا إلى التحسين والتطوير التدريجي، والخشن الذي ينفذ في العمق ويرغب في الهدم وإعادة البناء. ويأتي مثل هذا النقد، بكل أنواعه، بسبب متطلبات وطموحات وتوقعات من الجامعات تتجاوز عطاءها، وبسبب تطور التقنية ومعطيات التحول الرقمي، والفرص الجديدة التي يمكن أن تنتج عن كل ذلك.
يتركز الحوار بشأن الجامعات حول معطياتها الناتجة عن مهماتها الثلاث: التعليم والتدريب؛ والبحث العلمي؛ والمهمة الثالثة التي حددتها دراسة أوروبية على أنها: نقل التقنية والابتكار، والتعليم المستمر، والتفاعل مع متطلبات المجتمع. وجميع هذه المهمات مهمات "تنموية"، تؤدي إلى الارتقاء بإمكانات الإنسان وقدرته على العطاء، وتثري المعرفة بمعارف جديدة أو متجددة، تسعى إلى نشرها وتفعيلها ودعم توظيفها والاستفادة منها، وتهتم بتعلم الإنسان مدى الحياة، والعمل على خدمة المجتمع والاستجابة لاحتياجاته. وتختلف آراء المتحاورين عادة في مستوى تنفيذ الجامعات مهماتها هذه، وكفاءتها وفاعليتها في ذلك؛ وتقييم ما هو كائن مقارنة بما يجب أن يكون، أو بما يمكن أن يكون، وذلك من حيث الإسهام في التنمية على كل من المستوى الوطني ومستوى العالم بأسره.
نقصد بانحياز الجامعات إلى التنمية انحيازها إلى المجتمع المحلي، وهي لا شك تفعل ذلك، لكن التساؤل هنا هو: هل تستطيع أن تفعل أكثر؟ وكيف تستطيع أن تفعل أكثر؟ ولعلنا على هذا الأساس نناقش هذا الأمر من حيث مدى انحياز كل من المهمات الجامعية الثلاث إلى التنمية الوطنية وإسهامها فيها.
هناك ثلاثة محاور رئيسة لانحياز "مهمة التعليم والتدريب" إلى التنمية الوطنية. أول هذه المحاور هو محور الاستجابة لمتطلبات "سوق العمل" من حيث التخصصات المعرفية من ناحية، والمهارات التطبيقية من ناحية ثانية. وقد يشمل ذلك الحاجة إلى عاملين يتمتعون بأكثر من تخصص واحد كما هو الحال في التعامل مع بعض التطبيقات التقنية التي لا تحتاج إلى جانب علمي تقني فقط، بل إلى جانب اقتصادي وإداري أيضا. وعلى ذلك، قد تحتاج سوق العمل إلى خريجين مؤهلين في أكثر من تخصص وليس أصحاب تخصص واحد. أما المحور الثاني للانحياز إلى التنمية، فهو محور بناء "عقلية" خريج الجامعة. ويتضمن ذلك قضايا مختلفة مثل التحفيز على التفكير، وعلى الإبداع والابتكار وريادة الأعمال، إضافة إلى أخلاقيات الحياة والعمل التطوعي، والاهتمام بالعمل الجماعي، ومبدأ المجتمع قبل الفرد، والمحافظة على البيئة. ويأتي بعد ذلك المحور الثالث الذي يدعو إلى متابعة النظر إلى "العالم"، وما يجري فيه من تطور معرفي متجدد نحتاج إلى التعامل معه والإسهام فيه.
وفي مسألة انحياز مهمة "البحث العلمي" والإبداع والابتكار إلى التنمية الوطنية، هناك أيضا ثلاثة محاور رئيسة: محور "الموضوعات البحثية الحية"؛ أي التي تحتاج إليها التنمية بمختلف جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والبيئية. وقد تكون هذه الموضوعات متداخلة التخصصات كما هو الحال في متطلبات تأهيل العاملين سابقة الذكر. ثم يأتي محور "الباحثين"، وعلى رأسهم طلاب الماجستير والدكتوراه، وقد يكون من المناسب أن يكون عمل هؤلاء مرتبطا بوظائفهم لتفعيل دورهم في هذه الوظائف، وتعزيز أدائهم في إيجاد الحلول للمشكلات المختلفة التي يواجهونها في عملهم. ونصل إلى المحور الثالث، وهو محور "الباحثين في الخارج"، وبالذات طلاب الدراسات العليا المبتعثين، حيث يبذل هؤلاء جهودا بحثية كبيرة في الحصول على درجاتهم العلمية بعيدا في الغالب عن قضايا التنمية الوطنية. ويمكن لمثل هذه الجهود أن تكرس للتنمية عبر علاقات بين جامعاتنا والجامعات المتقدمة في الخارج لتوجيه جهود المبتعثين نحو موضوعات التنمية الوطنية من جهة، والاستفادة من خبرات الجامعات الخارجية من جهة أخرى. ولا شك أن في التحول الرقمي للتعليم الجامعي وسائل مهمة لتحقيق ذلك.
ونصل إلى انحياز المهمة الثالثة للجامعات إلى التنمية الوطنية. والحقيقة أن أساس هذه المهمة هو ذلك، لكن الأمر يعود إلى مستوى الاهتمام بها، ومدى الكفاءة والفاعلية في تنفيذها. المطلوب هنا هو "نقل التقنية والابتكار، والتعليم المستمر، والتفاعل مع متطلبات المجتمع"، أو بالأحرى المطلوب هنا هو بناء "جسور متينة بين الجامعة من جهة، ومؤسسات المجتمع المختلفة وأفراده من ناحية ثانية. في موضوع نقل التقنية والابتكار، لا بد من تواصل الجامعات مع المؤسسات والأفراد القادرين على الاستثمار في المعرفة الحية المتجددة، فهذا الاستثمار وسيلة توظيف المعرفة والاستفادة منها في توليد الثروة وتشغيل اليد العاملة. وفي موضوع التعليم المستمر وسائل للارتقاء بإمكانات الإنسان في المعرفة المتجددة. ويرتبط ذلك بالحاجة إلى التعلم مدى الحياة، خصوصا أن الوظائف المعرفية باتت أكثر انتشارا، كما أن متطلباتها باتت أكثر تغيرا. وهناك بعد ذلك الاستجابة لمتطلبات المجتمع فيما يبرز من مشكلات ومعضلات تستطيع كوادر الجامعات الإسهام في التعامل معها بكفاءة وفاعلية، وهذه بالطبع تعتمد على مدى انتشار جسور التواصل ومتانتها.
انحياز الجامعات إلى التنمية الوطنية مطلوب أكثر من أي وقت مضى في عالم يشهد تنافسا معرفيا غير مسبوق. ولعل بالإمكان وضع معايير ومؤشرات لذلك؛ لتكون دليلا لتنفيذ هذا الانحياز، ودليلا لتقييمه أيضا، فالمنافسة بين الجامعات على الإسهام في التنمية الوطنية أمر حميد مطلوب نحتاج إليه.

إنشرها