دراسة عن مكاسب ترشيد استهلاك الطاقة

|

أصدر مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية أخيرا دراسة بعنوان "قيمة التوفير في استهلاك النفط في المملكة العربية السعودية". والدراسة مجهود علمي قامت به مجموعة من الباحثين المتخصصين، الغرض منها تقديم خيارات لصناع القرار حول سياسات ترشيد استهلاك النفط ومنتجاته، من خلال تقدير المكاسب التي يمكن الحصول عليها عند تطبيق سياسات معينة. وتطرقت الدراسة إلى الآثار المحتملة لسياسات ترشيد استهلاك النفط ومنتجاته على الأمد الطويل، واستخدمت لأول مرة - حسب تصور معديها - نموذج اقتصاد صغير مفتوح على العالم يؤثر في أسعار النفط العالمية. وناقشت الدراسة تكاليف ومنافع سبع سياسات لترشيد استهلاك النفط وزيادة صادراته.
تتحدث الدراسة عن قيم المكاسب التي ستجنيها المملكة من سياسات توفير استهلاك الطاقة محليا؛ حيث تذكر أن هناك آثارا جانبية إيجابية لترشيد استهلاك الطاقة على رفاهية المجتمع وانبعاثات الغازات الدفيئة. ستولد السياسات مكاسب رفاهية تراوح قيمها ما بين 6 و56 دولارا للبرميل، ويتوقف مقدارها على نوع السياسة المتبعة. ستؤثر سياسات ترشيد الطاقة في رفاهية الأسر، ويمكن تخفيفها من خلال زيادة صافي التحويلات إلى الأسر. تحلل الدراسة سياسات مختلفة لتقليل الاستهلاك النفطي المحلي وزيادة صادراته على الأمد البعيد من خلال زيادة إنتاجه، أو استبدال النفط بالغاز الطبيعي في توليد الكهرباء، أو رفع كفاءة توليد الكهرباء، أو التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، أو زيادة أسعار النفط محليا، أو زيادة كفاءة وسائل النقل، أو تطبيق برامج كفاءة استهلاك الكهرباء.
زيادة الأسعار المحلية لها تأثيرات قوية في الصادرات والطلب المحلي والإيرادات الحكومية، ولها تأثيرات إيجابية في رفاهية الأسر في حالة تحويل صافي زيادة الإيرادات الناتج عن رفع أسعار الطاقة. ويمكن لزيادة أسعار الطاقة محليا أن تشكل أقوى تأثير في معدلات الاستهلاك المحلي والصادرات، والإيرادات الحكومية، وانبعاثات الكربون. وقد قام معدو الدراسة بمحاكاة زيادة أسعار الوقود والكهرباء الأخيرة، ووصلوا إلى أن هذه الزيادة سترفع صادرات النفط بما يقارب 724 ألف برميل يوميا على الأمد البعيد، كما ستزيد الرفاهية بنحو 2.6 مليار ريال، وستخفض انبعاثات الكربون بنحو 97 مليون طن سنويا. أما التحرير الكامل للأسعار المحلية فستنتج عنه زيادة كبيرة في الصادرات النفطية قد تصل إلى نحو 1.5 مليون برميل يوميا على الأمد البعيد.
التحول نحو استخدام الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء له تأثيرات إيجابية حتى لو تم استيراده. أما سياسات زيادة كفاءة الاستهلاك فمحدودة الأثر وغير قابلة للتوسع. بالنسبة لتكاليف السياسات فقد كانت سياسة زيادة كفاءة السيارات الأكثر تكلفة، حيث تجاوزت 50 دولارا لبرميل إضافي واحد من الصادرات، ثم جاءت سياسة زيادة حصة الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء في المرتبة الثانية من التكاليف، وحلت زيادة كفاءة محطات التوليد في المرتبة الثالثة، بينما قبعت زيادة الأسعار المحلية في المرتبة السابعة والأخيرة؛ حيث لا توجد تكاليف لهذه السياسة.
افتراض النموذج تحويل جميع المبالغ الصافية المحصلة من ترشيد الاستهلاك إلى الأسر قاد إلى زيادة الرفاهية في نتائج المحاكاة، ولكنه غير واقعي؛ حيث من المتوقع أن تكون التحويلات أقل لحاجة الحكومة إلى الإيرادات، ولهذا من المحتمل أن تكون زيادة الرفاهية أقل مما ورد في نتائج الدراسة. لم يتم التطرق إلى مسألة التضخم المتوقع الناتج عن زيادة أسعار منتجات الطاقة التي لها آثار أخرى في الاقتصاد. وأشارت الدراسة إلى أن رفع أسعار الطاقة سيؤثر سلبا في إنتاج السلع والخدمات، ولكنها لم تناقش مسألة تراجع تنافسية الصناعات المعتمدة على الطاقة. خفض استهلاك النفط ومنتجاته محليا سيؤثر سلبا في أسعار النفط العالمية لتوفيره كميات إضافية للتصدير، وهذا سيخفض منافع توفير الطاقة محليا. ويؤثر تراجع أسعار النفط المتوقع الناتج عن زيادة الصادرات النفطية بقوة في مكاسب الرفاهية؛ حيث إن أي خطأ في تقدير تراجع الأسعار سيغير بحدة مكاسب أو خسائر الرفاهية.
تأثير سياسات ترشيد استهلاك الطاقة كان كبيرا في إيرادات الدولة، خصوصا عند تبني سياسة تحرير أسعار الطاقة المحلية التي سترفعها بنحو 27 مليار دولار، ولكن تأثير هذه السياسات كان محدودا في الناتج المحلي؛ حيث لم تتجاوز الزيادة ستة مليارات دولار في أفضل الحالات، وذلك عند تبني سياسة التحول نحو الطاقة النظيفة. كان تأثير تحرير الأسعار بالكامل في الناتج ضعيفا، وقد يكون سلبيا لتسببه في تراجع إنتاج السلع والخدمات المحلية. انخفاض تأثير السياسات – سلبا وإيجابا - في الناتج يثير بعض التساؤلات حول كفاءة النموذج المختار – كما أنه يقلل من جدوى السياسات. لم تتطرق الدراسة إلى تأثير السياسات المختلفة في عدالة توزيع الدخل، وهي القضية التي يستخدمها مؤيدو دعم أسعار منتجات الطاقة لتبرير سياسات الدعم. هناك بعض الاختلافات بين النصين العربي والإنجليزي للدراسة، ولكن على العموم الدراسة قيمة، وجهد طيب، وتستحق القراءة، وتلقي الضوء على قضية حيوية للمجتمع والدولة. افترضت الدراسة سعرا عالمية نحو 53 دولار للبرميل، لهذا فإن زيادة أسعار النفط العالمية ستزيد كثيرا من تأثير السياسات.

إنشرها