المشراق

المسحر بلهجة الحجاز والمسحراتي بلسان أهل القاهرة

المسحراتي أو المسحر هو الشخص الذي يقوم بإيقاظ الناس ليالي شهر رمضان الكريم ليأكلوا طعام السحور ويؤدوا الصلاة. وارتبطت هيئة المسحراتي بالذهن العربي بحمله للطبل الذي يقرع عليه حتى يوقظ الناس الذين يمر في شارعهم. ويشدو المسحراتي بجمل مسجوعة خلال مروره من عند البيوت، أشهرها جملة "يا نايم وحد الدايم"، وغيرها. وقد انقرضت هذه العادة مع التطور والاكتشافات التي أغنت عن مهنة المسحراتي. وكانت سابقا منتشرة في كثير من المدن العربية، وسنتحدث اليوم عن المسحراتي في مكة المكرمة والقاهرة.

المسحر في مكة

قال أحمد عبد الغفور عطار عن المسحراتي: "كانوا يقولون في مكة المكرمة ــ حرسها الله ــ وفي مدن الحجاز الأخرى المسحر ــ بصيغة اسم الفاعل ــ وفي مصر: المسحراتي، ويجوز أن يقال مثل ذلك في أقطار العروبة، ويقصدون بالمسحر أو المسحراتي: الرجل الذي يطوف بالبيوت في المدن والقرى في ليالي رمضان في موعد السحور يوقظ النائمين ليتناولوا السحور، وهو الطعام الذي يأكلونه قبيل الفجر ثم يمسكون عن كل طعام وشراب حتى تغرب الشمس. وكان لكل حي في مكة المكرمة مسحره، فإذا كان الحي كبيرا مثل حي المسفلة كان له غير واحد من المسحرين. وكان المسحر يعرف أسماء أرباب الأسر وأسماء أطفال الأسر الكبيرة الموسرة المشهورة، وينادي رب كل أسرة باسمه أو كنيته، وما كان في عصر أبي وأيامنا الأولى أحد ينادي الآخر بلقبه، بل كان أدب اللياقة في المجتمع كله يقضي بألا ينادى أحد باسمه مجردا، بل لا بد أن يسبق الاسم عند النداء بألقاب التشريف والتكريم أو بالكنية التي تشعر بالمديح.
وكان المسحر ينادي الناس بكناهم أو بها وبالأسماء مسبوقة بلقب كريم، ولا يقتصر الأمر على النداء، وإنما يتغنى المسحر باسم المنادى وكنيته ولقبه، مضفيا في غنائه على المنادى صفات حميدة كريمة. ولم يكن المسحر يغفل الأطفال، بل كان يحتفي بهم، ويذكرهم بأسمائهم موصوفة بما يسرهم ويسر والديهم، ويجيبونه بأنهم صحوا للسحور.. ولم يكن يقتصر على هذا "التسحير"، بل يقول من الكلم الطيب ما يعن له، ويبدأ في التهنئة بصوته الجميل منذ ليلة الـ27. ويحمل المسحر طبلا يقرعه فيساوق غناؤه صوت طبله، ومنذ نهار الـ27 وما يبقى من ليالي رمضان وأنهره يجمع "العيدية" من الناس، إما أن يراجعهم في أماكن أعمالهم أو بيوتهم، يعطيه كل بيت بحسب قدرته المالية ومكانته الاجتماعية، كما كان بعض الناس يعطيه زكاة الفطر قبيل فجر يوم العيد.
وأذكر المسحر في أواخر عهد الشريف الملك الحسين بن علي ملك الحجاز الأسبق وكنت طفلا صغيرا، كما أذكره في أوائل حكم الملك عبد العزيز آل سعود بعد افتتاحه الحجاز، وبقي التسحير حتى عام 1360هــ في الشارع الذي أسكنه بحينا حي المسفلة، ثم لم أعد أسمع المسحر. ولم تمنعه السلطة أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أنها كانت تمنع الطبل إلا طبل المسحرين فقد سكتت عنه، وأخذ المسحرون يختفون من أحيائهم بالتدريج حتى كان مسحرو حي المسفلة آخرهم اختفاء، وكان سببه الموت، إذ كانوا من الشيوخ.. وكان من الناس في مكة والمدينة ــ حرسهما الله ــ وفي مدن الحجاز من يؤخرون السحور إلى أن يزاحموا به ما قبيل الفجر بقليل تأسيا بصحابة رسول الله ــ عليه الصلاة والسلام ــ وينتظر أكثر المتسحرين أذان الفجر ليؤدوا صلاته جماعة إما في بيوتهم أو في مساجد الحي أو في المسجد الحرام، ثم يعودون إلى النوم حتى يحين وقت الخروج إلى العمل... وكان أهل مكة المكرمة يحرصون على أداء صلواتهم بالمسجد الحرام خاصة صلاة الفجر في رمضان أو أيام الجمع إلى ما قبل توسعة مكة... وأما السحور فكان أهل مكة جميعا يغنون به فيعددون ألوانه، فتحوي مائدته لحما وأرزا وخبزا وخضراوات وفاكهة وحلوى، وكنا نسرف في اختزان الطعام والماء حتى نستطيع مقاومة الجوع والعطش.

المسحراتي في القاهرة

ترجم كتاب المستشرق إدوارد وليم لين إلى العربية أكثر من مرة أولها بعنوان "المصريون المحدثون شمائلهم وعاداتهم في القرن التاسع عشر"، ترجمة عدلي طاهر أنور، وصدر عام 1950 عن مطبعة الرسالة، ثم أعيد طبعه لاحقا في الهيئة العامة لقصور الثقافة. كما صدرت ترجمة أخرى بعنوان "عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم"، عن مكتبة مدبولي في القاهرة عام 1999، بترجمة سهير دسوم. والترجمة الأولى هي المعتمدة لدى المختصين.
ويعد لين أبرز من تحدث عن المسحراتي وعاداته، وذكر نصوص الأغاني التي يتغنى بها والنوتة الموسيقية الخاصة بكل أغنية. كما ذكر أنه يدور في كل ليلة، ولكل منطقة مسحراتي خاص بها، يطلق المدائح لأرباب المنازل؛ ممسكا بيده اليسرى بازا صغيرا وبيده اليمنى عصا أو قطعة من الجلد يضرب بها عند كل وقفة ثلاث مرات، يرافقه صبي يحمل ناقوسين؛ موحدا الله ومصليا على الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ "اصح يا غفلان وحد الرحمن.. أسعد الله لياليك يا فلان"، داعيا بالتقبل والحفظ لأهل الدار، ولا يذكر أسماء البنات، وإنما يقول: أسعد الله لياليك يا ست العرايس، وكان المسحراتي يلزم الصمت عندما يمر ببيت في حالة حزن لوفاة عزيز. وتحدث إدوارد لين عن العشر الأواخر من رمضان، وقال إن غالبية المؤمنين يفضلون قضاءها في المشهد الحسيني وجامع السيدة زينب.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق