مستقبل التجارة .. والاقتصادات المتقدمة

|

إن مستقبل التجارة من نواح كثيرة هو مستقبل البيانات. وهذه فرصة هائلة لصانعي السياسات لبناء جسور اقتصادية جديدة، بغية إيجاد نظام تجاري عالمي أفضل. وعلى هذه الخلفية، اسمحوا لي أن أتطرق إلى مسألتين:
ـــ ما اللبنات الأساسية لتحسين التجارة؟
ـــ وكيف يمكننا تطويع وتحسين النظام التجاري متعدد الأطراف؟

اللبنات الأساسية لتحسين التجارة
اسمحوا لي أن أبدأ بالحديث عن اللبنات الأساسية لتحسين التجارة.
أـــ‌ زيادة التجارة في الخدمات
إحدى هذه اللبنات الأساسية هي توسيع نطاق التجارة العالمية في الخدمات.
والنبأ السار هو أن تجارة الخدمات آخذة في النمو بوتيرة سريعة نسبيا. وتمثل حاليا الخمس من الصادرات العالمية. ووفقا لبعض التقديرات، فإن نصف التجارة العالمية في الخدمات تقوده التكنولوجيا الرقمية.
ومع ذلك، فإن الحواجز التجارية في هذا المجال لا تزال مرتفعة للغاية – حيث تعادل رسوما جمركية بين 30 و50 في المائة.
ونرى أنه بتخفيض هذه الحواجز وزيادة الرقمنة يمكن أن تصبح الخدمات المحرك الرئيس للتجارة العالمية. فمن إذن سيكون المستفيد الرئيس؟
الولايات المتحدة بلا شك وغيرها من الاقتصادات المتقدمة ـــ لأنها تتمتع بميزة تنافسية عالمية في كثير من قطاعات الخدمات، خاصة الخدمات المالية والقانونية والاستشارية.
وكذلك الاقتصادات النامية مثل كولومبيا وغانا والفلبين ـــ لأنها تشجع النمو في الخدمات القابلة للتداول تجاريا، كالاتصالات وخدمات الأعمال.
والأهم من ذلك أن تجارة الخدمات بإمكانها إطلاق الإمكانات الكاملة لدى "صغار المؤسسات متعددة الجنسيات".
وهذه تشمل ملايين مؤسسات الأعمال الصغيرة التي تسعى للتوسع في السوق العالمية. وتشمل كذلك الأفراد الذين يستخدمون الأدوات الرقمية لزيادة الاستفادة من مهاراتهم ومن الفرص المتاحة لهم.
لننظر مثلا في حالة طبيبة مقرها في بورتلاند وتتابع عن بعد حالة مريضها في مدينة بنما سيتي؛ أو مدرس البيانو في موسكو الذي يستخدم تطبيق "سكايب" لتدريس الطلبة في مونتريـال.
وكل هذه الأمور ستكون مثار دهشة "آدم سميث"، الذي أعرب عن شكوكه في مدى القيمة الاقتصادية التي يقدمها "المحامون والأطباء والموسيقيون ورجال الأدب على مختلف تخصصاتهم".
واليوم، يجني مقدمو الخدمات بجميع أنواعها ثمار تحول العالم إلى عالم أكثر ترابطا وأصغر حجما.
وأعتقد، بلا شك، أن ثروة العالم في القرن الحادي والعشرين يمكن أن تقوم على التجارة في الخدمات.
ب ‌ـــ زيادة الإنتاجية
وتتضح من إمكانات النمو هذه أهمية زيادة الإنتاجية ــــ وهي لبنة أساسية أخرى في سبيل تحسين التجارة.
فنحن نعرف أنه بجعل الخدمات أكثر قابلية للتبادل التجاري سيكون بوسع الرقمنة تعزيز الإنتاجية وتحسين مستويات المعيشة.
ونعرف أيضا أن التكنولوجيا الرقمية بإمكانها زيادة الإنتاجية في الصناعات التحويلية.
وعلى سبيل المثال، نجد أن زيادة التحول إلى النظام الآلي تيسر على الشركات إعادة توطين بعض عملياتها من الخارج ـــ بفعالية، حيث تعكس مسار بعض عمليات "التعهيد الخارجي" و"نقل مواقع الإنتاج إلى الخارج" التي ظلت سائدة في العقدين الماضيين.
والطباعة ثلاثية الأبعاد أيضا يمكنها تشجيع الشركات على نقل عملية الإنتاج إلى مواقع أقرب إلى عملائها، حتى يمكنها الاستفادة من سرعة إعداد النماذج ومواءمتها حسب الطلب.
وهذه التحولات بإمكانها جعل سلاسل العرض أقصر، وأكثر إنتاجية، والأهم من ذلك، أقل كثافة لانبعاثات الكربون. وبإمكانها كذلك تنشيط الصناعات التحويلية في كثير من الاقتصادات المتقدمة، لكي تفي بوعود زيادة المصانع المحلية مع توفير وظائف بأجور أعلى.
لكن هذه ليست القصة كلها.
فالرقمنة ستؤدي كذلك إلى تقوية المنافسة في التجارة العالمية، ما سيدفع الشركات نحو زيادة استثماراتها في التكنولوجيا الجديدة وممارسات الأعمال الأعلى كفاءة.
فقد خلص تحليل جديد أصدره الصندوق إلى أن زيادة المنافسة تعجل من انتشار التكنولوجيا بين البلدان المختلفة وتعجل حتى من وتيرة الاختراع في حد ذاته. وهذا، بدوره، يساعد على تخفيض الأسعار بالنسبة للشركات والمستهلكين.
ومن أمثلتي المفضلة على ذلك طبعة 1971 من كتالوج شركة "سيرز-روباك". فقد عقد أحد المحللين مقارنة بين المنتجات المعروضة على صفحات هذا الكتالوج مع البنود المماثلة المعروضة حاليا.
وخلص إلى أن المنتجات في الوقت الحالي، بعد احتساب التضخم، أرخص كثيرا ـــ بما في ذلك مكيف هواء تبين أنه أرخص بأكثر من 80 في المائة من نظيره في عام 1971.
ومثل هذه المكاسب توضح المزايا الهائلة من بناء الجسور الاقتصادية. ومع ذلك، لا يزال كثيرون يعيشون في ظلال هذه الجسور.
ج ـــ زيادة الاحتوائية
لهذا نحن في حاجة إلى لبنة أساسية ثالثة لتحسين التجارة ـــ ألا وهي زيادة الاحتوائية.
فلننظر في حالة قطاع الصناعات التحويلية في الولايات المتحدة. لقد ظلت حصة هذا القطاع في إجمالي الناتج المحلي، بعد احتساب التضخم، ثابتة إلى حد ما منذ أربعينيات القرن الماضي.
ولكن حصته في توظيف العمالة انخفضت بدرجة كبيرة ـــ ما يرجع في الأساس للتغيير التكنولوجي، وبدرجة أقل نتيجة المنافسة من الخارج، بما فيها من الصين.
ومما لا شك فيه أن الثورة الرقمية في التجارة ستجلب معها على الأرجح تحدياتها الخاصة ـــ فتفرض مزيدا من الضغوط على العمالة غير المجهزة بالقدر الكافي للمنافسة ـــ سواء في الاقتصادات المتقدمة أو الصاعدة أو النامية.
فما الذي تستطيع الحكومات القيام به؟
بإمكانها زيادة دعمها للفئات الأكثر تأثرا بالتكنولوجيا والتجارة.

إنشرها