الجامعات ليست معاهد تدريب

|

الذي دعاني إلى كتابة هذا المقال تصريحات بعض القيادات الأكاديمية في وسائل الإعلام، وبعبارات مباشرة لا تقبل التأويل، وبثقة متناهية، مثل التصريح التالي لبعض مديري الجامعات في مناسبة ماضية "الجامعات تقاس بمدى ما حصل عليه خريجوها من وظائف". ولا أدري من أين أتى هؤلاء بهذا المعيار الجديد لقياس أداء الجامعات؟ فما أعرفه أن معايير قياس الأداء لم يكن ضمنها "حصول خريجي الجامعات على وظائف". كما أن معايير قياس أداء الجامعات أسست، ووثقت، وحكمت من مؤسسات دولية تعاملت مع التعليم العالي منذ قرون، ولا تحتاج منا إلى اجتهادات وتصريحات، بل تحتاج إلى تطبيق وتفعيل. كشفت لي جملة كهذه عدم جدية وزارة التعليم في تبني أنظمة ومعايير الجودة رغم إنشاء "المركز الوطني للتقويم والاعتماد الأكاديمي" منذ عقد من الزمن تقريبا، وهذا المركز لا يمكن أن يؤتي ثماره من دون صياغة جديدة لمختلف الأبعاد الأكاديمية، التي تحتاج إلى تغيير جوهري في البيئة الداخلية للجامعات، كما تتطلب قناعة القيادات بأهمية الجودة، وتعاون الأساتذة والطلاب والعاملين والمتعاملين. كما تتطلب إلغاء أقسام، بل كليات، وتدريبا مكثفا، ونشر ثقافة الجودة، وهذا التغيير مكلف، ويستنزف الملايين، ويحتاج إلى وقت وصبر.
ويمكن أن نستشف من هذا التصريح أن الجامعات عاجزة عن القيام بكل هذه التغييرات، لذا فهي تسوق لنا معيارا يبعدنا عن المعايير الدولية، ويلائم واقع مؤسساتنا الأكاديمية المتواضع. وكأن الهدف هو تكييف معيار يقبل الواقع الأكاديمي بعلاته، وليس تغيير الواقع لملاءمة أنظمة ومعايير الجودة الدولية.
أود أن أذكر القيادات الأكاديمية بأن الجامعات ليست معاهد تدريب تربط مباشرة بسوق العمل، ويجب ألا توجه إلى هذه الهوة. ولقد بينت في مقالات سابقة أن الجامعات منظمات انتقائية تأخذ جزءا من الموروث الثقافي، ولم تنشأ أصلا لربط مخرجاتها بالوظائف وسوق العمل. فمسؤولية مؤسسات التعليم العالي في توفير فرص العمل والقضاء على البطالة مسؤولية جزئية. فمهمة أعضاء هيئة التدريس إيجاد الحلول لهذه المشكلة مبنية على الدراسات والأبحاث النظرية والميدانية، ومسؤولية مدير الجامعة وطاقمه الإداري والفني هي توفير البيئة البحثية المناسبة ومصادر البيانات والأجهزة والأدوات. ومسؤولية أجهزة الدولة الأخرى ذات العلاقة الاستعانة بمقترحات وتوصيات الأبحاث المنشورة وغير المنشورة من قبل الباحثين في الجامعات، فالعملية هنا تكاملية. أما أن نطوع برامج وخطط الجامعات لتلبية سوق العمل بصورة مباشرة، فهذا - من وجهة نظري - بعد عن المفهوم الدولي والتاريخي للجامعات، وقد يسبب لنا عزلة في عصر العولمة.
كما أود أن أذكر قيادتنا الأكاديمية بأن هناك معايير جودة دولية يجب أن نسعى جميعا للظفر بها، ولم تعد هناك حاجة إلى الاجتهاد والتصريح. كما أنني أحذر من الخوض في مغامرات غير مدروسة، خصوصا على المستوى الاستراتيجي، فواقع جامعاتنا الأكاديمي لا يحتمل أي تجارب فاشلة.
ولنأخذ العبرة بكليات المعلمين وبعض الجامعات التي ربطت برامجها بوظائف الخدمة المدنية ومكاتب العمل. فماذا كانت النتيجة؟ بعد أن تشبعت وزارة التعليم بما تحتاج إليه من تخصصات، تبرأت من كليات المعلمين، وأصبحت حملا ثقيلا تتعفف حتى من ذكرها، فتحاول التخلص منه بقذفها إلى وزارة التعليم أو إلى المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، أو إلى أي جهة أخرى. وتغيير اسم وزارة التعليم "وزارة المعارف سابقا" لا يعفيها من التخلي عن ربيبتها التي ولدت في أحضانها. والسؤال الآن: لماذا هذا الجحود وهذا النكران لكليات المعلمين؟ في تصوري أن السبب يرجع إلى ربط مخرجاتها بسوق العمل. أما الجامعات التي أغلقت تخصصات بحجة تشبع سوق العمل، فقد تجردت برامجها من الصبغة الأكاديمية، فتكونت منظمات نتحرج من أن نطلق عليها جامعات، ابتعدت عن التقاليد والأعراف الجامعية، فتحولت دون إدراك منها إلى معاهد تدريب. المتعاقدون المتميزون يتحرجون من الانتماء إليها، ويفضلون البقاء في بلادهم بدلا من المغامرة بسمعتهم الأكاديمية. والأساتذة السعوديون أحجموا عن تدريس بعض المواد حتى توفى إليهم مستحقاتهم المالية النظامية لتعويض السمعة بشيء من المال.
وهذا الموقف المتأزم، بل المتفاقم، أربك الوضع الأكاديمي لهذه الجامعات، ما قد يؤدي إلى الاستعانة ببعض الحرفيين من الوافدين وتأهيلهم للعمل كأساتذة جامعات، أو اللجوء إلى النخب المزورة. وحالة عدم الاتزان هذه أدت إلى فوضى وخلل في الخطط الدراسية، ما اضطر هذه الجامعات إلى تأجيل تدريس بعض المقررات لفصل أو فصلين دراسيين.
لماذا وصلنا إلى هذه الهاوية؟ الأسباب متعددة، وقد عرجت على بعضها في مقالات سابقة، ومن أهمها - في رأيي - ربط برامج الجامعة ومخرجاتها ربطا مباشرا بسوق العمل.

إنشرها