FINANCIAL TIMES

تجريد المعاملات الماليّة في الغد.. من النقد

يقع ووتش هاوس على مرمى حجر من تاور بريدج في لندن، وهو يلعب دور المقهى الذي يرصد أحدث الاتجاهات والموضات بشكل جيد للغاية.
يتكدس خبز العجين المتخمر على الرفوف، وتوجد سلال مليئة بالبرتقال والأفوكادو، ويجلس على الطاولات مجموعات من المحترفين الشباب على أجهزة الكمبيوتر المحمولة، وهناك عدد ضئيل من الزوار الأجانب الذين فضلوا الموقع بتجنب الأماكن السياحية الرئيسة.
حتى الآن، كل هذا كان متوقعا، إلا أن الحداثة في "ووتش هاوس" خطت خطوة أخرى. منذ بداية هذا العام، أصبح هذا مقهى، لا يتعامل بالنقد.
تقول مديرة المقهى إيما بيرجس، التي ترأس فريقا من النوادل المسلحين بأجهزة آي باد، إن ذلك كان انتقالا سلسا.
"كان 80 في المائة من عملائنا يدفعون في الأصل من خلال البطاقات، لذلك كان ذلك خطوة منطقية تالية". حظر النقد لا ينسجم مع الإحساس العام للمكان فحسب، بل إنه يوفر الوقت والمال – الذهاب إلى المصرف يحتاج إلى 45 دقيقة مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع.
الأكثر أهمية من ذلك أن هذا يجعل "ووتش هاوس" أكثر أمنا"، حسب قولها، مضيفة: "في أواخر العام الماضي، تعرضنا لأربع عمليات اقتحام في غضون شهرين، حيث كان اللصوص يستهدفون غَلتنا النقدية. كان القوة الدافعة لهذا التحول: الأمن".
ومع ذلك، وعلى الرغم من كل المنطق في قرار المقهى، إلا أن الإعداد لذلك غير معتاد إلى حد ما.
في تحد للتنبؤات التي تقول إن النقد محكوم عليه بالفشل، فإن حجم الأوراق النقدية والمسكوكات في العالم، هو في الواقع في ازدياد.
يغلب على ظن خبراء الاقتصاد أن السبب في ذلك هو مزيج من العوامل: انخفاض أسعار الفائدة المتاحة على الودائع المصرفية، وعدم الثقة بالمؤسسات المالية بعد الأزمة، علاوة على تنامي اقتصاد غير رسمي.
اليوم هناك 500 مليار من العملات الورقية وتريليونات من قطع العملة المعدنية المتداولة. ووفقا لتقرير صدر أخيرا من "جي فور إس" G4S، الشركة التي تدير أنظمة توزيع النقد، فإن الأموال المادية تمثل الآن 9.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بارتفاع من 8.1 في المائة في عام 2011. صحيح أن المقهى العصري في لندن توقف عن قبول النقد.
إن هذا الوضع يجعل من الصعب تخيل اقتصاد غير نقدي نهائيا في أي وقت قريب.
في عصر محدد بالتقدم التكنولوجي، هذا أمر غريب. يبدو الأمر بدائيا بشكل صريح أن معظمنا لا يزال يمشي وفي جيبه عملات معدنية تخشخش، مثلما فعل أهل الأناضول القدماء منذ نحو من ثلاثة آلاف عام، عندما ظهرت القطع النقدية المعدنية لأول مرة.
بالكاد تقدمنا منذ أن كانت أصداف الودع هي العملة المفضلة في الصين القديمة.
بطبيعة الحال، كانت هناك بعض الابتكارات المتطرفة، حيث إن البيتكوين وغيرها من العملات المشفرة جذبت الاتباع لهذه العملات، إلا أنه حتى في عالم الأموال الإلكترونية السائدة، فإن البعض منا يشعر بالذعر بسبب المخاوف بشأن أمن البيانات أو الموثوقية التكنولوجية، أو مخاطر الإفراط في الإنفاق.
ومع ذلك، وبطرق كثيرة، فإن بطاقات الائتمان والخصم المباشر وتطبيقات الدفع والمحافظ الرقمية تتفوق بوضوح على النقد، فهي خالية من الجراثيم.
وهي سريعة ومريحة. وهي تحبط أنواعا من الجرائم - ابتداء من التهرب الضريبي إلى الإرهاب - التي يمكن ارتكابها بسهولة كبيرة، باستخدام حقائب تشتمل على أوراق نقدية مستعملة.
في الوقت الحالي، لا تزال مبادرة ووتش هاوس غير النقدية من الحالات النادرة. في المناطق الساخنة في جميع أنحاء العالم، بدأت الشركات الحديثة في كسب الحجة القائلة: إن وسائل الدفع الرقمية يجب أن تتفوق على الأوراق النقدية والقطع النقدية عتيقة الطراز.
السويد تأتي في الطليعة. في يوم مشمس من أيام الأسبوع في نيسان (أبريل) الماضي، كانت أكشاك الفواكه والورد في سوق هوتورجيت في ستوكهولم تعمل بنشاط كبير.
على أنه حتى هنا بين المتداولين الذين يغلب عليهم الدخول في تعاملات مالية لا تصل إليها أنظار جامعي الضرائب، لم يكن هناك كثير من التعاملات النقدية.
بدلاً من ذلك، تم شراء عديد من الباقات عبر البطاقات أو تطبيق سويش Swish، وهو تطبيق شائع يسمح لك بالدفع برقم الهاتف المحمول أو رمز الاستجابة السريعة.
وفي آخر إحصاء، كان هناك 19 في المائة من مدفوعات السويد تتم باستخدام النقد، مقارنة بالمعدل الأوروبي البالغ 80 في المائة.
يمكن أن يصل هذا المجموع إلى الصفر خلال فترة قصيرة في حدود خمس سنوات، وذلك وفقًا لبحث أجرته مؤسسة المعهد الملكي KTH Royal Institute للتكنولوجيا في ستوكهولم.
"ريكسبانك"، أي البنك المركزي السويدي، هو أكثر حذرا إلى حد ما بشأن التوقيت المناسب لذلك، لكنه لا يزال يعتقد أن المجتمع غير النقدي يمكن تخيل حلوله، خلال أكثر من عقد بقليل.
تقول سيسيليا سكينجسلي، نائبة المحافظ: "إذا قمت باستقراء الاتجاهات الحالية، سيتم تسليم الورقة النقدية الأخيرة إلى ريكسبانك بحلول عام 2030."
وكانت أسس هذا الاقتصاد شبه النقدي قد وضعت منذ أكثر من 20 عاما، عندما تم تسليم المصارف الكبرى في السويد المسؤولية عن البنية التحتية للنقدية والمدفوعات في البلاد. واليوم تشترك في تشغيل شبكة صراف ATM وتطبيق Swish. ويقول نائب وزير المالية بير بولوند إن التحول عن الأموال النقدية أمر رائع بالنسبة للمقبوضات الضريبية.
على سبيل المثال، ولدت ضريبة القيمة المضافة 427 مليار كرونة سويدية (36 مليار جنيه) في العام الماضي، بارتفاع نحو 30 في المائة خلال خمس سنوات. وكما يقول: "المدفوعات تتزايد كثيرا - جزء من هذا يرجع إلى الاقتصاد الرقمي. من الصعب إخفاء النقود بصورة غير قانونية".
وبالطبع، فإن ذلك ملائم للمستهلكين، مع عدم وجود دليل يذكر – في ستوكهولم على الأقل – على أن هذه ظاهرة شبابية.
تقول المتسوقة كيرستين وارنكويست، 71 سنة، إنه مر شهر منذ أن اشترت شيئا ما بالأوراق والقطع النقدية. "أحمل نقودا قليلة جدا. أستخدم البطاقات وأستخدم تطبيق Swish. إنه سهل".
حتى وجود بعض الضحايا المحتملين لهذا التحديث هو أمر تم أخذه في الاعتبار. ميكائيل كارلسون، وهو سائق سابق ومدرب كرة قدم، يُظهر لأحد المعجبين مجموعة مجلات من الورق المصقول من المؤسسات الخيرية لمصلحة من هم بلا مأوى، ويضع على صدره شارة هوية عليها رمز الاستجابة السريعة.
يجب على أي شخص يرغب في شراء نسخة مسح الشفرة باستخدام تطبيقه. ويقول: "عندما بدأت، كنت آخذ كميات من النقدية أكبر بكثير من الوقت الحاضر. الآن نصف مبيعاتي هي عبر تطبيق Swish".
يتم تحويل المدفوعات إلى الحساب المصرفي للمؤسسة الخيرية. والعقبة الوحيدة هي أنه يتوجب على البائعين أن يذهبوا إلى المكتب لتحويل أموالهم إلى أموال نقدية - وفي دولة هي عمليا غير نقدية مثل السويد، هذا أمر غير مفيد.
ويوضح كارلسون: "في بعض الأحيان، مثل ما يحدث في متاجر إلفن 7-Eleven، عندما يملك المشردون أموالا نقدية، لا يمكنهم شراء السجائر هناك، لذلك يشكل هذا الأمر إزعاجا لهم".
المصارف نفسها أصبحت غير نقدية إلى حد كبير. في هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه قرابة غشرة ملايين نسمة، لا تملك المصارف الثلاثة الكبرى سوى 25 فرعا في جميع أنحاء البلاد تتعامل بالأموال النقدية – أي نسبة 5 في المائة فحسب، من شبكة فروعها الإجمالية.
جزء من السبب هو لتقليل خطر السرقة. الابتعاد عن العملات الورقية والمعدنية ربما يكون قد جعل بعض الأفراد أكثر عرضة للهجوم - لا سيما الشرائح الضعيفة من المجتمع، مثل كبار السن والمعوقين والمشردين الذين هم أكثر عرضة للاعتماد على المال المادي.
بعض الشباب يشعرون أيضا أنهم في خطر. حيث أشار عدد من المراهقين إلى السلب المتكرر كسبب لعدم حملهم النقود.
لا تزال عمليات السطو التي تشمل الأفراد في السويد منخفضة مقارنة بكثير من البلدان. وفقا لوكالة برا Bra، مكتب إحصاءات الجريمة في السويد، تضاعفت عمليات السلب بين عامي 2014 و2016، من 0.7 في المائة من السكان إلى 1.4 في المائة، تماما مثلما انخفضت النقدية التي تحتفظ بها المتاجر والمصارف. بالنسبة لكثيرين، فإن هذا يعزز الحجة لمجتمع بلا نقد تماما.
يقول مصطفى، سائق سيارة أجرة: "نحن لا نحب المال. البطاقات والتطبيقات أكثر أمانًا بكثير".
في مختلف أنحاء العالم، تحاول مجموعة من البلدان والشركات الأخرى تخفيف اعتمادنا على النقد. في كوريا الجنوبية، التي تحتل المرتبة الثانية بعد السويد من حيث تزايد هيمنة الأموال الإلكترونية، حدد البنك المركزي هدفا هو عام 2020 للتخلص التدريجي من العملات المعدنية.
كانت هناك انسحابات محدودة أكثر لفئات العملة الصغيرة في إيرلندا وأجزاء من شمال أوروبا.
شككت مشاورة حكومية في المملكة المتحدة فيما إذا كانت العملات المعدنية من فئة القرش والقرشين والورقة النقدية من فئة 50 جنيهًا "ذات كفاءة، أو اقتصادية من حيث التكلفة".
في الصين، كانت شركات التكنولوجيا مهمة للغاية في تحويل السكان الأصغر سنا وفي المدن إلى أموال الهواتف الذكية، بينما تعاونت الحكومات في أجزاء أخرى من آسيا وإفريقيا مع الشركات، لمساعدة الناس على الوصول إلى التمويل.
كان الإرهاب هو الدافع لأول الخطوات الكبيرة للابتعاد عن السيولة في منطقة اليورو. في الساعة 9.40 مساءا من يوم 13 تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2015، دخل ثلاثة رجال ملثمين مسرح باتاكلان في باريس وقتلوا 89 من الحضور في حفلة موسيقية.
وفي وقت سابق لذلك، ذبح الإرهابيون العشرات في ملعب لكرة القدم وفي الشوارع.
كان ذلك هو اليوم الأكثر دموية بالنسبة لفرنسا منذ الحرب العالمية الثانية.
أثار هذا الحدث سلسلة من الردود الموثقة بدقة - عملية مطاردة، وحالة طوارئ لمدة ثلاثة أشهر وضربات جوية انتقامية على مركز داعش في الرقة في سورية. هناك حقيقة غير معروفة على نطاق واسع هي أن هذه المأساة أدت إلى نهاية الورقة النقدية من فئة 500 يورو.
درس بيتر ساندز، وهو مصرفي سابق أصبح أستاذا في جامعة هارفارد، الدور الذي تلعبه الأوراق النقدية الكبيرة في الجريمة المنظمة وتمويل الإرهاب.
بعد شهر من الهجمات، استُدعي إلى باريس للقاء وزير المالية ميشيل سابين، الذي أراد أن يعرف ما إذا كان التخلي عن الورقة النقدية من فئة 500 يورو سيساعد في مكافحة الإرهاب. يشرح ساندز: "الاتجار بالمخدرات هو المحرك الأكبر للتدفقات المالية غير المشروعة ومصدر رئيس لتمويل الإرهاب. ينتهي تهريب المخدرات دائما بالنقد في مرحلة ما من السلسلة".
كلما كانت قيمة الأوراق النقدية أكبر، يقل احتمال الإمساك بك حاملا حقائب ضخمة من المال. يقول ساندز: "الأوراق النقدية ذات الفئات الكبيرة غير ضرورية نهائيا للحياة العصرية العادية". القضاء عليها يفترض ألا يسبب التعب.
بحلول شباط (فبراير) التالي، أقنع سابين مجلس وزراء أوروبا بالمطالبة بسحب الورقة النقدية من فئة 500 يورو من الأوراق النقدية. ألمانيا، على وجه الخصوص، احتاجت إلى بعض الإقناع - كانت فئة الأوراق النقدية الكبيرة رمزا للفخر.
في غضون بضعة أشهر، قرر البنك المركزي الأوروبي التخلص التدريجي من الأوراق النقدية، لأنه يعتقد أنها تستخدم في الغالب في الجرائم وفي التهرب من الضرائب.
هل كانت هذه بداية النهاية للنقد في منطقة اليورو؟ يقول ساندز: "التخلص من النقد ككل عقد اجتماعي وسياسي أكبر بكثير. بيد أنه إذا ما بدأت المنطقة بإخراج الفئات ذات القيمة الأكبر، يمكن العمل على الفئات الأدنى تدريجيا".



.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES