النجاح المتسارع في الابتعاد عن النفط

|

من أكثر الأمور اللافتة في التحول الاقتصادي في المملكة، التقدم السريع في مسألة الاعتماد على مصادر أخرى للدخل غير المصادر النفطية. وهذه استراتيجية تدخل عمليا في صلب "رؤية المملكة 2030" وبرنامج التحول المصاحب لها. كما أنها استراتيجية تنسجم مع آفاق عملية البناء الاقتصادي؛ فالسعودية رفعت شعارا واضحا منذ بدء التحول، أن الاستدامة الاقتصادية والتطور الاجتماعي المعيشي، هما المحور الرئيس للمستقبل، خصوصا بعد الهزات التي تعرض لها النفط وأدت قبل ثلاث سنوات تقريبا إلى انهيار أسعاره في السوق العالمية بصورة مذهلة. يضاف إلى ذلك طبعا أن أي اقتصاد لا يمكن التعاطي معه كاقتصاد مستدام إذا كان يعتمد بصورة كبيرة على مصدر واحد للدخل، ناهيك عن أن في المملكة إمكانات هائلة يمكن ببساطة أن تشكل بدائل أساسية للعوائد الوطنية بشكل عام.
ومع وجود "الرؤية" تتسارع أكثر وتيرة الخروج من "اقتصاد النفط" إلى الاقتصاد الأكثر تنويعا؛ لأنها تتضمن سلسلة لا تنتهي من الخطط والمشاريع الاستراتيجية الجديدة والمتنوعة، بما في ذلك إعادة النظر في مسألة الخدمات ورسومها، ودخول البلاد مرحلة التصنيع، فضلا عن مجالات مثل السياحة والترفيه، ناهيك طبعا عن الاستثمارات التي تستقطبها البلاد بقوة في أعقاب إطلاق "الرؤية"، نتيجة القوانين والتشريعات التي أتت بها هذه الأخيرة على الساحة الاقتصادية المحلية. من دون أن ننسى أيضا استثمارات البلاد نفسها في الخارج، وهذا أيضا يشمل، التطور الكبير في مخططات المملكة في مجال الطاقة المتجددة وغير ذلك من الميادين الأخرى، إلى جانب خدمات مالية متنوعة دخلت السوق السعودية، والتطوير الجاري على صعيد سوق الأوراق المالية وغير ذلك.
والقيادة السعودية تعلق أهمية كبيرة على مسألة التخلي عن النفط كمصدر رئيس للدخل الوطني؛ لأن ذلك ينسجم مع عملية البناء الاقتصادي الجديدة. والاقتصاد المستهدف لا بد أن يكون أكثر استدامة، ولا استدامة في الاعتماد على مصدر واحد رئيس للدخل في أي بلد كان. وعلى هذا الأساس تقدم الخطوات العملية في مجال نمو الإيرادات غير النفطية في الأشهر القليلة الماضية، بشكل لفت انتباه وتقدير حتى المؤسسات الاقتصادية العالمية، ومن بينها صندوق النقد والبنك الدوليان. وكان ارتفاع الإيرادات غير النفطية في الربع الأول من العام الجاري لافتا جدا، بعد أن وصل إلى 63 في المائة، مقارنة بالربع المماثل من العام الماضي، حتى إن العجز في الفترة المذكورة بلغ 18 في المائة، وهي نسبة تعتبر مرضية فيما لو أخذنا في الحسبان حداثة الاستراتيجية الاقتصادية السعودية الشاملة.
الهدف الرئيس يبقى دائما تنفيذ برنامج التوازن المالي، وهو البرنامج الذي يشكل في النهاية المشهد الاقتصادي العام في البلاد، كما أنه يدفع مشاريع السعودية إلى الأمام في كل المجالات، خصوصا مع إطلاق مشاريع جديدة، وتطبيق أعلى معايير الجودة في تنفيذ المشاريع المقامة بالفعل. من دون أن ننسى أن التحول من "اقتصاد النفط" إلى الاقتصاد المستدام يعني أن النمو يحقق ارتفاعا مقبولا، ما يوفر أيضا مزيدا من الدعم للساحة المحلية على مختلف الأصعدة، بما في ذلك بالطبع إيجاد الوظائف المناسبة، ضمن خطط خفض معدلات البطالة. ومن هنا، يمكن النظر باهتمام شديد إلى الأرقام الأخيرة لموازنة الربع الأول من العام الجاري، بعد أن بلغت الإيرادات غير النفطية أكثر من 52 مليار ريال، ما يعزز "مرة أخرى" المخططات المالية الوطنية.
استطاعت المملكة "مقارنة بغيرها من البلاد النفطية الأخرى" أن تتقدم كثيرا في مجال رفع الاعتماد على النفط شيئا فشيئا، بما يتناغم مع المسيرة الاستراتيجية الشاملة، وهي تعتمد في ذلك "في الواقع" على قدراتها الاقتصادية الكامنة. فقد أثبتت أن اقتصادها كان متماسكا حتى بعد انهيار أسعار النفط، كما أظهرت بقوة إمكانات هائلة توفر فرصا استثمارية في مختلف المجالات، يضاف إلى ذلك بالطبع الثقة العالمية الكبيرة بالاقتصاد الوطني السعودي، من خلال التصنيفات الدولية المرتفعة. 

إنشرها