توطين الوظائف وانعكاساته على السوق

|

كثيرا ما ينتاب البعض القلق من هذا الحراك الكبير في اتجاه توطين الوظائف في المملكة، حيث إننا نجد البرامج اليوم تتوالى في اتجاه توطين مجموعة من الأنشطة التجارية، حيث لا يحق للشركات والمحال التجارية توظيف غير السعوديين فيها، والأنشطة التي تم الإعلان عنها أنشطة حيوية في السوق، وتوطينها يعني بالضرورة إيجاد كم هائل من الوظائف في تلك القطاعات، كما أن الرسوم التي فرضت على الوافدين أصبحت اليوم أحد أهم أسباب سفر مجموعة كبيرة من الوافدين؛ بسبب ارتفاع تكلفة بقائهم في المملكة في ظل أن السوق غير مشجعة حاليا في نظرهم بما يمكنهم من الحصول على دخل جيد يمكن أن يرسلوه إلى أسرهم، كما أن هذا التحول أصبحت له انعكاساته على السوق، فهذا العدد الكبير من القوى العاملة الأجنبية التي ستغادر سيكون لمغادرتها أثر في الحراك الموجود في السوق، خصوصا في قطاع التجزئة والإيجارات، حيث إن هناك أنشطة متعددة تعتمد بشكل كبير على القوى العاملة الأجنبية، وبمجرد رحيلها ستتغير ظروف تلك الأنشطة، ما سينعكس بصورة أو أخرى على السوق، وقد ينظر البعض إلى واقع السوق، ويجد انخفاض مستوى التضخم نوعا ما، إضافة إلى انخفاض نمو الناتج المحلي للمملكة، كما أن بعض رجال الأعمال لديه قلق من واقع السوق، ما يدفع البعض إلى التريث قبل الدخول في أنشطة تجارية جديدة.
والحقيقة أن هناك مجموعة من التشوهات في واقع السوق الحالية، ولعل هذا البرنامج الحكومي المنظم يمكن أن يقضي عليها مع وجود مجموعة من الأضرار التي يصعب تجنبها بسبب قسوة البرنامج، وأنه يأتي في ظل الإصرار الحكومي على إصلاح السوق، والعمل على إيجاد عدد أكبر من الوظائف المناسبة للمواطنين، إضافة إلى إصلاح واقع الأنشطة الاقتصادية الحالية.
فمن الأمور التي ينبغي التأمل فيها هو: هل السوق في حاجة إلى هذا الكم الهائل من الأنشطة التجارية؟ فعند المرور بكثير من المحال التجارية تجد تكرارا لكثير من الأنشطة التجارية نفسها في مواقع متقاربة، وهذا يعتبر ظاهرة سلبية من عدة جوانب، وهي ترف الأنشطة التجارية التي لا تحتاج إليها السوق، ونظرا لارتفاع العائد وقلة تكلفة القوى العاملة الأجنبية، فإن ذلك يشجع على وجود هذه الأنشطة، فلو أخذنا - على سبيل المثال - نشاط بيع السلع الغذائية أو محال التموينات، فرغم وجود عدد كبير من الأسواق المركزية واعتماد المواطنين عليها، إلا أنك تجد في الطريق، الذي لا يتجاوز طوله كيلومترا واحدا، عددا من المحال التموينية، ورغم عملها مدة طويلة، إلا أن الحاجة إليها فعليا محدودة خصوصا مع كثرتها، فحاجة السوق قد لا تتجاوز ربعها فقط، ومع ذلك نجد أن هذا النشاط مستمر بسبب العوائد وقلة تكلفة القوى العاملة، وهذا المثال ينطبق على أنشطة تجارية متعددة، وكثرة هذه المحال دون حاجة فعلية هو هدر سواء؛ بسبب شغلها مواقع أو الاستخدام العام للموارد إن كانت من الطاقة أو غيرها، إضافة إلى أن هذا التوسع يفسر لنا التكلفة العالية للإيجارات، ما أضر ببعض الشباب الذين يريدون أن ينشئوا مشاريعهم التجارية.
إن الواقع الحالي للسوق شجع على وجود وتنامي ظاهرة التستر في السوق، حيث إن بعض المواطنين وفي مخالفة صارخة للنظام يستقدم مجموعة من القوى العاملة لتمارس الأنشطة التجارية من أجل الحصول على مبلغ مالي شهري مقطوع، ولعل ظاهرة التستر من أسوأ الظواهر في الاقتصاد من جوانب، منها أن ذلك أكل لأموال الناس بالباطل من دخل القوى العاملة الأجنبية لمجرد أن هذا المواطن يكفلهم، وإساءة توظيف الأنظمة التي تلزم القوى العاملة بالعمل ضمن نشاط تجاري مملوك لمواطن، كما أن الأسوأ في المسألة أنها لا تشجع المواطن على متابعة نشاطه التجاري والإشراف عليه وتنمية خبراته فيه في ظل الاعتماد الكامل على الدخل بالطرق السهلة، وفي الوقت نفسه تحرم غيره من المواطنين من العمل في هذا النشاط في ظل عدم وجود منافسة متكافئة بينه وبين القوى العاملة الأجنبية.
رغم ما ستشهده القرارات الحالية من آثار، إلا أن هناك آثارا إيجابية مؤكدة، حيث إن انخفاض مستوى البطالة، وتوافر فرص عمل جيدة للمواطن سيحسن من النشاط الاقتصادي الحقيقي محليا، ويحد من رحيل الأموال إلى الخارج، كما أنه سيحسن من فرص بناء المهارات، وتراكم الخبرات لدى المواطن في الأنشطة التجارية المختلفة، كما أنه من الممكن أن يرشد في أعداد المشاريع التجارية في نشاط واحد، بما يحسن من فرص زيادة أرباح المشاريع التجارية المتبقية.
فالخلاصة أن توطين الوظائف اليوم أصبح ضرورة مجتمعية، ورغم وجود سلبيات محتملة، إلا أن الواقع الحالي للسوق لا يعكس الحاجة الفعلية في ظل وجود مجموعة من الأنشطة التجارية التي تعتبر فائضا عن حاجة السوق، كما أن توطين الوظائف سيحد من بعض سلبيات السوق، مثل التستر الذي كان سببا في ضعف مهارات صاحب العمل باعتماده على مصدر كسب سهل، وحرم مجموعة من المواطنين من الفرص؛ بسبب المنافسة غير المتكافئة مع القوى العاملة الأجنبية.

إنشرها